الصالون الادبي النقدي (13)

 

نعمة ابن حلام
‏ مع ‏
ادهم الشبيب
‏ و‏‏٢‏ آخرين‏.

بسم الله الرحمن الرحيم
الصالون الأدبي 13
من الحرف ينبثق المعنى ومن المعنى تتولد الدلالات والدلالات تضيء وتشتعل بالنقد. هذا الأخير هو ما يسقي حديقة النص ويمنحه الفرصة في أن تخضر أوراقه وتينع معانيه ويسهل قطافه، فهو مستمع جيد يعرف كيف يرهف السمع لكل الأصوات فيفكك معاني الحرف ويبحث عن مواطن الجمال ومواضع الضعف فيها، ثم يركبها تركيبا جديدا يفتح لها آفاقا ورؤى أخرى ما كانت لتبرز لولاه. وقد دأب الصالون الأدبي أن يتناول قصائد ضيوفه الشعراء بالتحليل والتشريح والبحث عما يغيب عن أعين القارئ العادي، كما اعتاد رواده أن يتفاعلوا بصدق واهتمام.
واليوم، وبكل فخر واعتزاز، يسعدني ويشرفني أن أحل ضيفة على هذا الصالون الأدبي الراقي في الحلقة الثالثة عشر منه بقيادة الناقد الفذ أدهم الشبيب والشاعر والناقد الكبير مكي النزال، وأن أضع بين أيديهما نماذج من قصائدي راجية أن تحظى بحصيف قراءتهما وعميق نظرتهما، ولا يفوتني أن أشيد بمجهودهما الجبار في محاولة الارتقاء بالشعر والشعراء من خلال النقد الهادف البناء. فشكرًا جزيلًا لكما الأستاذ الناقد
ادهم الشبيب
والأستاذ الشاعر والناقد
مكي النزال
، وشكرا لكل الشعراء والأدباء المتتبعين لضيوف الصالون والمتفاعلين مع محتوى حلقاته خدمة للأدب وسعيًا للارتقاء بالإبداع.
وتفضلوا بمشاركتي قراءة الأستاذ الناقد الكبير أدهم الشبيب:
أركز مع مبدعتنا اليوم على المعاني كثيرًا ولا أفرد للتراكيب اللفظية من تقديمي لقصائدها ومقطوعاتها إلا القليل. توليف المعاني وتوليد الصور عند بن حلام هو ما يلفتك ويأخذ من انتباهك، المعاني عندها اصيلة غير مشتتة ولا سطحية رغم انها تستقي كثيرا من منهل الحداثة الا أنك لا تحس أنها متصنعة في ذلك متكلفة كما يفعل الكثيرون، فان مجازاتها هادفة وهي التي تقول فيها:
بَحْرُ الْمَجَازِ شَكَا مِنْ حَرَّتِي ظَمَأً
هَلْ يَرْتَوِي ظَمَأٌ بِالنَّقْشِ فِي الْكَلِمِ
وذلك في قصيدة وجدانية جميلة سيتناولها الشاعر الكبير مكي النزال بالعرض والتحليل منها:
إِنْ غِبْتَ غَادَرَنِي شَدْوُ الرَّبِيعِ وَلَمْ
تَجْرِ الْمِيَاهُ وَلَا غَطَّى النَّدَى نَغَمِي
و بجانب المعاني البارزة ، فيها من المحسنات اللفظية قدر متوازن غير مبالغ فيه يشوه الحس الوجداني و لا هو بالنزر الذي لا يكاد يلمسه متذوق فها هي تسوق معنى في طباق جميل في عجز هذا البيت :
مَاذَا أَقُولُ وَقَدْ أَضْحَتْ خُطُوطُ يَدِي
رَتْقَ الرِّيَاحِ وَفَتْقَ الْبَوْحِ بِالْأَلَمِ
و من محسنات الشعر بالترادف قولها:
اَلسِّحْرُ أَحْرَقَنِي وَالْحَرْفُ أَرّقَنِي
وَالشَّوْقُ طَوَّحَ بِي سَبْقاً إِلَى عَدَمِ
و تطرق السيدة نعمة بابا اخر من ابواب الشاعرية عصيًا على قريناتها ممن نجحن في مضمار الشعر، فمن قصيدة فلسفية شفيفة تغترف بإنائها من التصوير النظري و تستنطق شخصية متخيلة لتضع على لسانها شعرا حواريًا فتعبر:
قَالَ الْأَشْبَاحُ تُحَاصِرُني
وَالْفَوْضَى تَسْكُنُ أَكْوَانِي
و أسمتها (حيرة الروح) لان معانيها تصف تساؤلات الروح فتقول:
اَلنَّمْلُ بِرَأْسِي مُشْتَعِلٌ
وَعَصَايَ تَلَقَّفُ تَبْيَانِي
و لا تخفى الاستعارة البليغة في صدر البيت السابق و الاشارة الجميلة المكناة في عجزه، مع الحفاظ على المعنى العميق من وراء ذلك التصوير و هذا من علامات الاجادة في صناعة الشعر على اصوله الكلاسيكية، ثم تقول:
قَدَمِي فِي الْغُرْبَةِ تَبْلَعُنِي
وَشُجُونِي تَكْسِرُ أَفْنَانِي
وانظر الى تصويرها لأمر يكاد يكون قد مر على كل احد من اصحاب العقول المتفكرة و التي تقاسي التدبر في الحياة و شجونها و شؤونها:
رَأْسِي كَحِصَانٍ يَرْفُسُنِي
وَضُلُوعِي تَخْنُقُ وِجْدَانِي
وتمعن في المعنى المجازي العميق:
عَيْنَايَ تَرَى مَا لَيْسَ يُرَى
وَخُطَايَ تَمُورُ بِأَرْكَانِي
ثم ها هي توظف المعنى النثري الشهير المستقر في الاذهان (للجاحظ الثاني) الناقد والكاتب الوزير العباسي ابن العميد في قوله (أقدم رجلاً لصدك، وأؤخر أخرى عن قصدك) لتحوره شعرا مقفى و اعمق اثرا و ابعد مرمى:
أَمْشِي قُدُماً أَجْرِي دُبُراً
وَأَعُودُ لِأَرْشُفَ أَحْزَانِي
فإنها في التقدم تمشي ولكنها للأسف في التراجع تجري، وأين المشي من الجري فتخسر ضعفي ما تكسبه في كل مرة!
و من جميل ما صُوِّر عن فوات العمر قولها من نفس القصيدة:
حَرْفِي يَنْعَاهُ غِيَابُ دَمِي
وَدَفَاتِرُ عُمْرِي تَنْسَانِي
وتتحول بعد ذلك الى معان جديدة بأبيات لا تخلُّ بوحدة القصيدة، و اليكم خاتمتها:
أَفَرَاشَةَ قَلْبِي، مُنْتَجَعِي
أَنْفَاسُكِ تُحْيِي شِرْيَانِي
نَبْعاً أَبْغِيكِ وَنَهْرَ غَدِي
مَجْرَى دُنْيَايَ وَعُنْوَانِي
مَنْفَايَ هَوَاكِ وَمُلْتَجَئِي
وَالْبُعْدُ يُهَدْهِدُ حِرْمَانِي
و نعمة بن حلام نجحت في تقديري شاعريا كما فنيًّا، و يؤشر ذلك شاعريتها التي اعطت لمقطعاتها من شعر التفعيلة نكهة و قيمة، فهذا النوع من الشعر و النوع الحر و النصوص الحديثة القريبة للنثر والتي تسمى (المفتوحة)، كلها تكون بلا قيمة ان خلت من الشاعرية العميقة الظاهرة ، إذ هي قد خلت اساسا من لوازم الشعر الاخرى فنيا من اوزان و قوافي و فنون الصياغة . وهذه المقطوعة التفعيلية المسماة (نجم الجنوب) تشهد على ذلك في جانب منها تقول:
هُنَاكَ فِي الْجَنُوبِ يَنْبُتُ السُّؤَال
وَتَرْقُصُ الرُّؤَى كَمَا الْفَرَاشُ فِي الْحُقُول
وَالشَّمْسُ تَزْرَعُ اللُّجَيْنَ فِي الْمَدَى
وَالْأَرْضُ تَشْتَهِي الْخُطَى كَيْ مَا تَزُول.
هُنَاكَ فِي الْجَنُوبِ تَسْطَعُ النُّجُوم
تُصَارِعُ الْغُيُومَ وَالْجِبَالَ وَالتُّخُوم
تُعَانِقُ الشَّمَالَ تَمْتَطِي مَرَاكِبَ الْحَنِين
وَتُرْسِلُ الضِّيَاءَ نَسْمَةً تُهَدْهِدُ الْمَسِير.
وَذِي أَنَا هُنَا
أُسَامِرُ الدُّجَى
أَسْتَمْطِرُ الْحُرُوفَ وَالْمِدَادُ مُقْلَتِي
وَأُسْرِجُ الْخُيُولَ وَالْخَيَالُ صَهْوَتِي
أُكَابِدُ احْتِرَاقَ جُمْلَتِي
وَقَهْوَتِي الَّتِي
مَتَى ارْتَشَفْتُهَا
ذَكَرْتُ صَبْوَتِي
ومن النصوص الحرة قولها في مقطوعة اسمها (أين المفر) ضمنتها دلالات جميلة وشكاوى عليلة بعبارات ذات مغزى:
حَوَّاءُ يَا أُنْثَى الرَّبِيعِ الْمُنْتَظَرْ
يَا طَيْفَ صُبْحٍ أَبْيَضٍ
يَغْشَاهُ حُلْمٌ مُسْتَتِرْ
هَيَّا انْظُرِي!
هَلْ مِنْ جِبَالٍ تَرْتَحِلْ؟
هَلْ مِنْ سُيُولٍ تَلْثِمُ الرَّيْحَانَ تُهْدِيهِ النَّدَى،
تَبْكِي عَلَى قَيْسٍ بِلَيْلَاهُ افْتُتِنْ؟
هَلْ أَنْتِ أَنْتِ الْفَجْرُ أَمْ ذِكْرَى سَرَابٍ مَنْقَعِرْ؟
أُمَّاهُ
صَدْرِي شَمْعَةٌ،
اِحْدَوْدَبَتْ أَطْرَافُهَا
وَالرَّأْسُ فِيهَا مِخْلَبٌ
يَجْتَثُّ صَبْرِي،
وأترك المنبر لزميلي الأستاذ مكي النزال ليقدم لمحة ذاتية عن الضيفة حيث هو أقربنا اليها وكذا لمحة نقدية حول قصيدة لها، وأنوه الى ان زميلنا في هيئة الصالون الشاعر المترجم الاستاذ عماد اليونس اراد ان يخفف على القراء والمتابعين بالمشاركة من منبر الحضور الأكارم.
أدهم الشبيب
قراءة الأستاذ مكي النزال:
هذه نجمة من الفضاء البعيد تزور مجرة الصالون الأدبي وتحل ضيفة عزيزة عليه وعلى صاحبه الناقد القدير أدهم الشبيب وباقي نقاد الصالون ومحبيه. إنها الشاعرة التي أقرأ لها باهتمام لأني أعلم أني سأجد في شعرها ضالتي من شعر الشواعر الحرائر.
في قصيدة "ماذا أقول" تقول الكثير وديدننا نحن معاشر الشعراء أن نجعل المتلقي يظن، أو حتى يصدّق، أننا عاجزون عن القول ثم نباغته بالغزير من مطر الشعر بجمره وبرَده. تقول نعمة "وقد ذاب الصدى بفمي" وأقول صدى أي صوت سحري هو؟ لأنه كان حبر القصيدة التي رسمتها بقلم إبداعها الذي جاء هنا حزينًا شاكيًا لكنه ممتلئ بالشاعرية والإبداع الذي لا يخفى على عشاق الشعر.
ولمزيد من تعريف فشاعرتنا حائزة على شهادة ماستر في الدراسات الإنجليزية من جامعة مولاي إسماعيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس وشهادة الإجازة في الدراسات الإنجليزية من جامعة مولاي إسماعيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس وشهادة "إعلامي" من مدرسة علوم الإعلام بالرباط.
لها مشاركات واسعة في ملتقيات شعرية وأدبية محلية ووطنية إضافة إلى العديد من المشاركات في الملتقيات والنوادي الأدبية الرقمية. وقصائد منشورة بصحف وجرائد رقمية عربية ومواقع إلكترونية عربية إضافة لاستضافات في برامج إذاعية محلية وعربية ولقاءات أدبية افتراضية.
صدر لها ديوان "سوانح امرأة عادية" سنة 2014 مع طبعة ثانية منه سنة 2019
وديوان "أن أكون" سنة 2020
ولها رواية قيد النشر.
رحبوا معي بنجمة مكناس صاحبة القلب المنشغل بأمَّته والقلم الدافق بمشاعر الأنثى وهمومها وبنقاء الروح التي تحلق في فضاء الشعر مهما عتت الرياح.
ومرحبًا بكم أيها الأحبة في صالونكم الذي يعني لي الكثير لأنكم أعمدته وأوتاده، ولكم من قائد الصالون ونجمته أطيب المنى.
مكي النزال
28/2/2021
ماذا أقول؟
مَاذَا أَقُولُ وَقَدْ ذَابَ الصَّدَى بِفَمِي
وَاسْتَسْلَمَتْ لُغَتِي لِلرَّسْمِ بِالْقَلَمِ
بَحْرُ الْمَجَازِ شَكَا مِنْ حَرَّتِي ظَمَأً
هَلْ يَرْتَوِي ظَمَأٌ بِالنَّقْشِ فِي الْكَلِمِ
اَلسِّحْرُ أَحْرَقَنِي وَالْحَرْفُ أَرّقَنِي
وَالشَّوْقُ طَوَّحَ بِي سَبْقاً إِلَى عَدَمِ
إِنْ غِبْتَ غَادَرَنِي شَدْوُ الرَّبِيعِ وَلَمْ
تَجْرِ الْمِيَاهُ وَلَا غَطَّى النَّدَى نَغَمِي
أَوْ جِئْتَ صِرْتُ كَمَنْ آوَى إِلَى حُلُمٍ
وَالْحُلْمُ يَجْرِفُنِي طِيناً بِلَا قَدَمِ
مَاذَا أَقُولُ وَقَدْ أَضْحَتْ خُطُوطُ يَدِي
رَتْقَ الرِّيَاحِ وَفَتْقَ الْبَوْحِ بِالْأَلَمِ
هَيْهَاتَ يُسْعِفُنِي حِبْرٌ إِذَا شَطَحَتْ
رُوحِي بِزَوْبَعَةٍ أَوْ مَوْجَةِ الْحِمَمِ
أَوْ غَادَرَتْ حُجُبِي نَفْسِي إِلَى جُزُرٍ
أُلْقِي بِهَا سَفَرِي، أَسْلُو بِهَا سَقَمِي
أَغْفُو تُفِيقُ صُرُوفُ الْقَلْبِ تَلْسَعُهُ
أَصْحُو أُحَاذِرُ أَوْتَادَ الْهَوَى بِدَمِي
لَا حِبْرَ يَكْتُبُنِي، يَسْقِي صَدَى كَبِدِي
إِنَّ اللَّوَاعِجَ قَدْ تَاهَتْ بِهَا إِرَمِي
***
قد تكون صورة مقربة لـ ‏‏‏شخص واحد‏، ‏حجاب‏‏ و‏منظر داخلي‏‏
Amal Alnaqqash، Mohammed Abdulkareem و٨٠ شخصًا آخر
١٤٢ تعليقًا
٣ مشاركات
أعجبني
تعليق
مشاركة

١٤٢ تعليقًا

عرض ٤٦ تعليقًا إضافيًا

Comments

Popular posts from this blog

الصالون الادبي النقدي -تحكيم السجال (3)

الصالون الادبي النقدي (15)

مداخلات الصالون الادبي النقدي (11)