الصالون الادبي (14)
في ضيافتهما كان هذا الجمال, وكانت تلك القراءة النقدية البديعة المذهلة للأستاذ الناقد والكاتب الكبير أدهم الشبيب .. وهذا التقديم الحميم للأستاذ الشاعر الكبير مكي النزال .. وأشكر الشاعر والمترجم الأستاذ عماد اليونس على كلمته المحبة ..
أجل .. هو العراق نبع الحضارة والأدب والشعر,
..............................
(بسم الله الرحمن الرحيم )
الصالون الأدبي 14
يسعدني أن أكون ضيف الصالون الأدبي تحت إشراف الناقد والكاتب العراقي الكبير أدهم الشبيب وأخي الشاعر العراقي الكبير مكي النزال ونخبة الصالون من شعراء ونقاد ومتذوقين للشعر العربي.
أيها الأحبة؛ عندما تكون الدعوة من العراق العظيم، عراق المجد والأصالة والتحدي والإباء، تثور في النفس مشاعر الفخر والاعتزاز، وأتذكر بإحساس شخصي تلك الأيام التي لجأت فيها للعراق الحبيب, وقت أن كان الملاذ لكل شاب عربي – ومصريٍّ خاصة - .. قرابة الشهور الأربعة في صيف عام 1983م - إذ كنت طالبًا منقولاً للصف الثالث في كلية التربية جامعة الإسكندرية – قضيتها في المتعة والعمل ..
كنت أوقِّع مع كل خطوة ببغداد في قلبي معنى إنسانيًا خالدًا وترتسم في مخيلتي معاني العروبة والتراث والفن والجمال ما بين تجوالي بساحة التحرير وشارع أبي نواس, وشارع السعدون, ومكاني المفضل على مقهى قديم مجاور لمقام الشيخ القطب عبد القادر الجيلاني, حيث يجتمع فنانو المقام العراقي, وعازفو العود, والمنشدون, وكان منهم الكثيرون من مكفوفي البصر, ولكنهم كانوا نافذي البصيرة, وكم كانوا يحبون أن أقرأ لهم ما يحتاجونه من أبيات الشعر القديمة ليصوغوا عليها ألحانهم العذبة, بأصواتهم الشجية.
كم امتلأ قلبي حبًّا لهم, وكم احتوتني قلوبهم العامرة بالنقاء والصفاء الإنساني, وكم ذرفت دموعي وأنا أفارق هذه النسمات على نهر دجلة, وأودع تمثال الرصافي, وتمثال كهرمانة في بغداد, وسوق الرشيد ..وكأني أفيق من حلم من ليالي ألف ليلة ..
وكم كان الألم والعراق التاريخ والحضارة يتعرض للعدوان الصهيوني الغربي, وكم كان الأمل يداعبني في انتصاره – إن لم يكن عسكريًّا - فحضاريًّا سينتصر, لأنه وطن الأشاوس التي لا تعرف للاستسلام راية .. كنت أتذكر بيتًا أنشده طفل عراقي أنشد قصيدة في قصر الرئاسة أيام الحرب مع الفرس, عندما اعتدت أيادي الغدر والتآمر على المفاعل النووي العراقي:
فإن دمروا بالغدر منَّا مفاعلًا ... ففي كل بيتٍ في العراق مفاعلُ
كانت هذه الكلمات تغرس الأمل في تجاوز العراق محنته التي قابلها بصير وصمود.. وهو ما دفعني لكتابة مسرحيتي الشعرية "لوحات بغدادية".
كل الشكر والتقدير على دعوتكم الكريمة, وكل التقدير للناقد والكاتب العراقي الكبير أدهم الشبيب, والشاعر العراقي الكبير مكي النزال.
...............
(أحمد شلبي)
ولقد تفضل الأستاذ الناقد الفذ أدهم الشبيب بالتالي:
في ضيفنا الكريم اليوم ، و شاعرنا البادي الملكة الشعرية و الادبية و العميق النظرة الوجدانية. يعنيني أمر الشاعر أكبر كثيرًا مما يعنيني أمر الناقد او غيره رغم حضوره الناجح في كل جانب، ذاك أنه نفيس بالنسبة لي في جانب الشعر, وهو الأهم عندي و الأعلى والأدعى للاهتمام ، و لرواد صالوننا ايضًا ، فاني أسجل مقرًّا لضيف جلستنا بابتكاراته الشعرية والصورية، و يكفيني ويكفي المتذوق فضلا ًعن المتخصص متابعة أبيات قصائده المتنوعة والطويلة نسبيًّا, ليصدق استحقاق شاعرنا لهذا الحكم، فطول نفسه و مطاولة معانيه و انثيال ألفاظه مما لا يمكن إغفاله ولا التوقف عن التمعن و التمتع به . إضافة لما لفتني من ملاحة أبياته و قربها للنفس، ومنها القصيدة المعارضة أو ربما هي محاكية فقط لقصيدة عربية شهيرة قال شاعرها :
ليتَ هِنداً أَنجَزَتنا ما تَعِد
وَشَفَت أَنفُسَنا مِمّا تَجِد
فقال شلبي :
إنـــها ما أنـجَـــزتْـــــــــه ما تعـدْ
هكذا ـ تمضي مع الأيام ـ هندْ
فليس من السهل أن تجاري شاعر الرقة و العذوبة، شاعر قريش عمر بن ربيعة ، و لكنه فعل, فاسمع معي إلى مجاراة الشاعر القديم تمامًا في أسلوبه التحاوري المعروف ، حيث يشدو قائلاً :
ولهندٍ ـ إن تشأْ ـ أشدو, وإنْ
تشــــأِ الدمع فما من ذاك بُدّْ
ولعينيها حمـــــامٌ في المدى
وعصافـيـر وأنـداءٌ ووردْ
هذا ما لهند منه، أما ما جناه هو من هند :
وليَ الوقتُ الذي قد سُلِبت .
منه دقـاتُ التــمني والجـلد
وليَ الأفـــقُ الـذي تملــؤه
سحبُ اليأس وأسرابُ البدَدْ
و ختم الحجازي القديم بـ:
كُلَّما قُلتُ مَتى ميعادُنا
ضَحِكَت هِندٌ وَقالَت بَعدَ غَد
و حاكاه المصري المعاصر بألطف من هذا :
قالت الريــح ـ وقد رقَّت له
قد تفي بالوعد هند ، قال: قد !
وحيث إن للثقافة الشعرية عمومًا و الاطلاع على أشعار الأولين خصوصًا عظيمَ الاثر في نفوس الشعراء ونتاجهم فإن شاعرنا كان له نصيب كبير من هذا ، ينبيك عن ذلك رصانة ألفاظه وثراء لغته, وأصالة معانيه, وجودة سبكه, وجمال جرسه، فضلاً عن اقتباساته الجميلة ومحاكاته.
في قصيدته (و يأتيك غيرها) التي حاكى فيها أكثر من شاعر عربي عذري خالد، و قفى آثارهم مكللاً بالنجاح يقول, ومنهم كثير عزة:
وتقفو خُطا "قيسٍ" "جميلٍ" "كُثير"
إذا لاح في لـيـــــــلِ الصبـابة لائــــــحُ
و ضمن أبياته المتناسقة من أشعارهم المتسابقة منها قوله :
خليلي إذا ما ـ الصُّبحَ ـ شُدَّت رحالُنا
"وسالت بأعـناق المـطيِّ الأباطـحُ " *
تضمينا لشطر كثير عزة من قصيدته :
ولما قضيْنا من مِنًى كلَّ حاجةٍ
ومسَّح بالأركان من هو ماسحُ
أخذْنا بأطراف الأحاديث بيننا
(وسالت بأعناقِ المَطِيّ الأباطحُ)
وواضح أن للشاعر هوى في العراق موطًنا, و لكن هواه للجزيرة شعرًا ، فاكثر تأثره ومحاكاته لشعرائها، فكثير هذا من أهل المدينة, وقبله عمرو كما أسلفنا من أهل الحجاز، إلا أنه اقتبس من شاعر العرب الأول صدر قصيدته محولاً إياه إلى عجز بيته هذا :
فعرِّجْ على"نُعْمٍ" قليلا .. وقل لها
"بأدنى ابتسام منكِ تحيا القرائــــحُ " *
و هو شطر من قصيدة المتنبي :
بأَدنى اِبتِسامٍ مِنكَ تَحيا القَرائِحُ
وَتَقوى مِنَ الجِسمِ الضَعيفِ الجَوارِحُ
والتي منها بيت المديح الشهير:
وَما كانَ تَركي الشِعرَ إِلّا لِأَنَّهُ
تُقَصِّرُ عَن وَصفِ الأَميرِ المَدائِحُ
ولكنه يظل يحن لاهل الجزيرة شعرًا واقتفاء، فها هو يعود ليناجي أحدهم و هو توبة بن الحُميِّر صاحب ليلى الأخيلية الشاعرة ، فيقول:
ولو "هندُ " طافت في خيال فقلْ لها:
"ألا كلُّ ما قـَـرَّت به العيــنُ صالـحُ " *
ولم تكن تضمينات شاعرنا عبثية أو عشوائية, بل هو متمكن مما يفعل و قاصد لما يقول، فلبيت توبة بن حمير هذا قصة في العشق, جعلت الشاعر أحمد شلبي يوظفه ببراعة ، فيروى أن ليلى الاخيلية مرَّ بها الظعن من جانب قبر توبة هذا بعد زواجها ، فقالت: والله لا أبرح حتى أُسلِّم على توبة”. فوقفت أمام القبر وقالت: “السلام عليك يا توبة”. ثم قالت لقومها: ما عرفت له كذبة. فلما سألوها عن ذلك قالت أليس هو القائل ::
ولو أن ليلى الأخيلية سلمـت
علـيَّ ودوني تربـةٌ وصـفائحُ
لسلمتُ تسليمَ البشاشة أو زقا
إليها صدًى من جانبِ القبر صائحُ
وأغبطُ من ليلى بمـا لا أنـالـه
(ألا كل ما قرت به العين صالـح)
فما باله لم يسلم عليَّ كما قال؟!
و للشاعر الشلبي محسنات بديعية ناجحة كثيرة ترصدها في شعره ان تتبعته و سأذكر منها أمثلة للقصيدة التي بين يدي فلا مجال للإطالة بعد، فمن الجناس الناقص قوله :
وها أنت لا أرضا قطعتَ ولا هوىً
وقلبُـــك بين البِـيــد والغِـيـــد طامــح
ومن الاشارات و الكنايات بتضمين الاسماء قوله موظفًا اسماء المعشوقات الشهيرات :
ولا أنت من "نُعمٍ" ـ إذا جئتَ ـ نائلٌ
ولا أنت من "هندٍ"ـ إذا رُحتَ ـ رابح
وانظر الى الحيرة التي تمكن من إيصالها بأقصر الألفاظ وأوضح المعاني مستخدمًا المقابلة أو الطباق المركب, كما يسميه بعض البلاغيين ، بين الليل المنذر بالتيه (السُّرى) السير ليلا ، النهار المتعب بالقيظ (و يومك لافحُ) .
توقَّفْ قليلاً .. حُطَّ رحلَكَ ,, واسترحْ
فإن السُّـرى تيـــهٌ .. ويــومَـك لافــحُ
و معلوم أن التقابل بالصورة السهلة العذبة يمثل نوعاً من التضافر الأسلوبي و يؤدي هذا إلى متانة النص، و يقوي الدلالة المطروحة بتماسك لا ينفرط عقده.
و من ألفاظ التضاد بيته :
غريبٌ .. إذا هبَّ النسيم فضاحـكٌ
وإن سلبتْـكَ الريـحُ عطرًا فنـائـحُ
و من أسلوب المطابقة بيته المتكامل البديع :
هو الـداء والبُـرْءُ .. النسائـمُ واللظى
هو الرُّوح ـ تحيا أو تموت ـ الجوارحُ
و هذا نص القصيدة :
ويأتيك غيرُها
أفي كل حيــن أنــت غادٍ فرائحُ ؟
ودونـك بيداءٌ , ومُهــــــرك جامحُ
يسِفُّ عِنان الوقت, والعمرُ مسرعٌ
وحُـلمُــــك في ليل الأمـــانيِّ سابح
تحاول أشياءً .. ويأتيك غيـــــرُها ..
تحاول كتْم الشوقِ , والشوقُ فاضح
تسابق متنَ الريح .. تبكي مرورَها
وتُشجيك ـ لو مرَّت ـ طيورٌ صوادح
تطير بأنفــاس الحيــــاة ـ إذا بدت
ديـارٌ .. وفاحت بالعبـير الفـــوائحُ
وتلجأ للرَّبــــْـــــع الذي لا منـــازلٌ
تُـدانـيه .. إذْ تهفـو إليه الجـــوانحُ
هو الـداء والبُـرْءُ .. النسائـمُ واللظى
هو الروح ـ تحيا أو تموت ـ الجوارح
وتطـــربُ للشعـر الذي في شجــــونه
تـذوب قلوبٌ منـضَـــجاتٌ قـرائـــــــحُ
وتقفو خُطا "قيسٍ" "جميلٍ" "كُثير"ٍ
إذا لاح في لـيـــــــلِ الصبـابة لائــــــحُ
وها أنت .. لا أرضا قطعتَ ولا هوىً
وقلبُـك بين البِـيــد والغِـيـد طامــح
ولا أنت من " نُعمٍ " ـ إذا جئتَ ـ نائلٌ
ولا أنت من " هندٍ "ـ إذا رُحتَ ـ رابحُ
توقَّفْ قليلا .. حُطَّ رحلَكَ ,, واسترحْ
فإن السُّـرى تيـــهٌ .. ويــومَـك لافــح
لكِ اللهُ يا " نعمُ " التي بـان عهدُها
وسار بها نجــمٌ ـ عن الليــل ـ نازح
لكِ اللهُ يا " هنـدُ " التي في عيونها
نهـارٌ تـخــــفَّى .. وهْـو أبلـجُ واضح
لكَ الله من غــادٍ ـ شريدٍ ـ ورائــحٍ
فمن أيِّ آلٍ أنـت غــــــــــادٍ فرائحُ ؟
غريبٌ .. إذا هبَّ النسيم فضاحـكٌ
وإن سلبتْـكَ الريـحُ عطرًا فنـائـح
فأيُّ مَقام أنـت ـ فيه ـ مسامــــحٌ ؟
وأيُّ مقام لستَ ـ فيــه ـ تسامـــحُ ؟
خليلي إذا ما ـ الصُّبحَ ـ شُدَّت رحالُنا
"وسالت بأعـناق المـطيِّ الأباطـحُ "
وحان ـ على ظهر الطريق ـ فراقُـنا
ومُـــدَّت أيــادٍ للــــوداع تصـــافــحُ
فعرِّجْ على"نُعْمٍ" قليلا .. وقل لها :
"بأدنى ابتسام منكِ تحيا القرائـــحُ "
ولو " هندُ " طافت في خيال فقلْ لها :
"ألا كلُّ ما قـَـرَّت به العيــنُ صالـحُ "
فقـد ينتشي الغـــادي بما لا ينـالُه
وقد يحتشي بالشوق مَنْ هو رائحُ
و بعد فان الحقيقة التي لا مناص من ذكرها ، أن شاعرًا بهذا الإثراء اللفظي والصوري لا تكفيه جلسة في صالون، و لذا فإني أعد محبيه, وقراءه الجدد, ورواد الصالون الكريم بدراسة نقدية كاملة - ولا اقول شاملة - لجانب من شعره فإنه –كما ترون- في جعبته الكثير, وفي قريحته المذهل و المثير .
وبعد فتراه أخيرًا - إثباتا لتمكنه من فنه - يتعمد الصعب من المراكب ليعتليه ، والخفيَّ من المعاني ليجتليه, و النادر من القوافي ليبتنيه، كهذه القطعة الفنية الجميلة من الشعر المسماة (وَجَلٌ) التي أترككم معها قبل الانتقال لزميلي وصديقه الشاعر البارز البهي الحضور (مكي النزال) يعقبه ترحيب الشاعر الوجيه عماد اليونس :
(أدهم الشبيب)
من قصيدة (وجل)
لا تَعْجبي .. إن كنْتُ خَبَّأْتُ
لا أنتِ هِئْتِ .. ولا أنا هِئْتُ
نظراتُنا .. صفْصافَةٌ خَجِلَتْ
وتهَدَّلتْ .. فذَهَبْتِ إذْ جئْتُ
ما بالُنا؟ أعصابُنا وجِلتْ !!
ونسِيتُ – حينَ همَمْتُ – ما شِئْتُ
كيفَ انْسحابي منكِ في دَعَةٍ ..؟
.. كم كنتُ أحْسَبُني تهيَّأْتُ!!
وأنا - وقد لفَحَ الحنينُ دمي –
لو شِلْتُ هذا الكونَ ما نُؤْتُ
** ** **
بَعُدتْ خُطاكِ .. فعُدْتِ رجْعَ صدًى
ينتابُني ... وبإثْمِهِ بُؤْتُ
** ** **
ماذا بها – وقدِ انْثنتْ – وأنا
في لحْظةِ الإسراع أبْطأْتُ ؟
فبأيِّ شيءٍ أُنْبِئتْ ؟ وبه
أنا - في خفايا الرُّوحِ – أُنْبِئْتُ؟
أم أنَّها بي فُوجِئَتْ, وبها
- في زَحْمةِ الأحْلامِ - فُوجِئْتُ
** ** **
الشارعُ الخَلْفيُّ .. رُحْتُ بهِ
متسائلًا: حَقًّا – أأخْطَأتُ؟
أمضي وطيفَ غزالةٍ .. جَفَلتْ
لمَّا هفَتْ للرِيِّ أظْمَأتُ
ما ضرَّ لو أنِّي تَجَرَّأتُ؟!
يا ليتني ما كنْتُ خَبَّأْتُ
..........................
كما أسعدني أخي وصديقي الشاعر مكي النزال بهذه القراءة:
ضيف الصالون لهذه الأمسية المباركة هو أخ وصديق شاعر كبير وناقد قدير من مصر الغالية. هو عضو اتحاد كتاب مصر وقد أصدر العديد من: الدواوين الشعرية والمسرحيات التاريخية والتربوية والتعليمية ومجموعة من الكتب النقدية والأدبية (منها تكرمه عليّ بدراسة ديواني خباء الليل). أصدرت الهيئة العامة لقصور الثقافة أعماله الشعرية الكاملة في جزأين 2013 وحصل على العديد من الجوائز العربية عن أعماله الشعرية، كما شارك في العديد من المهرجانات والمؤتمرات العربية في العديد من الدول العربية.
ستجدون لذة الشعر الذي نهله شاعرنا من مياه النيل ودجلة، وستعشقون الأصالة في اللغة والعبارة والنغم، لكنكم قبل كل هذا ستعشقون الروح العذبة التي تسكن جسد هذا الساحر المجدد في الشعر دون أن يكسر قواعده وأصوله.
ستحزنون لأن الريح لم تأته بهنده وستبهركم لؤلؤته وما ينبعث منها من جديد الضوء الملوَّن؛ وستنصتون لأجراس (ويأتيك غيرها), ثم تقفون طويلًا على مشارف قصيدته (وجل), وإني لواثق من أنكم ستشكرون الصالون على هديته الثمينة التي يضعها بين أياديكم, ومعها ما يسلط ناقدنا الفذ الأستاذ أدهم الشبيب من أضواء عليها وبين سطورها وكلماتها.
هذه الأمسية طويلة لكنها جميلة ولن أكون فيها نجمًا بين قمرين، بل سأتبوأ مقعدي بينكم وأشارككم التصفيق لشاعر وناقد يستحقان منا فائق التثمين والاحترام.
دمتم معنا أحبةً وشركاءَ لخدمة الشعر العربي العظيم.
مكي النزال
.....................................
(الريح لا تأتي بهند)
إنـــها ما أنـجَـــزتْـــــــــه ما تعـدْ
هكذا ـ تمضي مع الأيام ـ هندْ
قال للريـــح التي مـــرَّت به :
بلِّغي : أنْ ليس للأشـواق حدْ
أدمعُ الليل , ونيــرانُ الهوى
ظمأ الــــروح , وآلام الجسدْ
تعب ٌحُمِّـــــلتُه ـ من أجلـها ـ
فاذكري يا ريح ما بي من كمد
..........
وصِفي حالـي لديها .. علَّـها
إن تعِ الأحزان في قلبي تعُدْ
ولها ما تـشتــهي ... إنَّ لها
قبضة العمـــر ـ إذا كنت تود
ولها الرحــلة والشعـرُ ..لها
العطرُ .. تفــاحُ الأماني للأبد
ولهندٍ ـ إن تشأْ ـ أشدو, وإنْ
تشــــأِ الدمع فما من ذاك بُدّْ
ولعينيها حمـــــامٌ في المدى
وعصافـيـر وأنـداءٌ ووردْ
........
وأنا لي قبضُ جمـــرٍ وأسى
واحتراقُ الوجد مني والكبدْ
وليَ الوقتُ الذي قد سُلِبت
منه دقـاتُ التــمني والجـلدْ
وليَ الأفـــقُ الـذي تملــؤه
سحبُ اليأس وأسرابُ البدَدْ
...........
ألهنـــدٍ ـ يا لَـهنــدٍ ـ نـارُها؟
وأنا في نار هـنــــدٍ أتــَّـقـدْ
بـتُّ في جنَّتـِــها مغتــربًا
كلَّما أدنـــو قليلاً تبـتـــعـدْ
..........
أيُّ أثــــمار لها أقطِـفـُـــها؟
أيُّ حضنٍ يحتـويها؟ أيُّ يدْ ؟
أيُّ أطـــــلال ـ إذا ناجيتُها ـ
"ودموعي فوق خدي تطَّرِدْ"؟
أيُّ نار في ربا العمر خـــــبت؟
" تحت ليل حين يغشاه الصَّرَدْ "
..........
بي ـ لها ـ ما بي من الوجْدِ, وما
يمـــلأُ القـلبَ طيـــورا ترتـعدْ
كلــما قلـــتُ : متى ميعــــادُنا ؟
ضحكت "هندُ" وقالت : بعد غدْ"
..........
ذكِّــري يا ريحُ "هندا" وعدَها
قالت الريح : وهل يُحييك وعد؟
قال : يا ريــح احْمليني نحــوها
قالت الريح: ومَن؟ أو أين "هند"؟
قال : يا ريــحُ قفي , قالت له :
هي نجم لم يَلُحْ ـ في الليل ـ بعدْ
قال: يا "هنــــد" استبدي ـ مرة ًـ
" إنما العاجـــزُ من لا يستـبــد"
..........
حـطَّ في أحــــــزانه منْــكسرا
كيـف تَشـفَى نفــسُه مما تجـدْ ؟
قالت الريــح ـ وقد رقَّت له ـ :
قد تفي بالوعد هندٌ ,
قال :
قدْ
.....................................
و للشاعر المترجم عماد اليونس عضو هيئة الصالون اسلوبه الخاص في الترحيب بشقيقه المصري حيث قال :
مضيفنا هذه الأمسية الشاعر والباحث العربي المصري أحمد شلبي الذي كنت قبل قليل في زيارة لصفحته الغناء حيث وجدت فيه الشاعر الوطني المعطاء المحب لبلده ام الدنيا مصر حيث تغني فيها كثيرا حتى أصبحت قصيدته الدالية انشودة يتغنى بها طلاب المدارس في محافظته البحيرة وكل مصر والتي يذم فيها الخيانة فيقول..
ليس منا من يخن هذا البلد
يمكث الماء ولا يبقى الزبد
وكذلك وجدت فيه العروبي الملتزم في شعره بقضايا الأمة وألامها وأمالها فحبه للعراق وألمه عليه لا يقل عن حبه الملازم، لفلسطين ومحنتها هي الآخرى مع الاحتلال الغاشم...
وجدت فيه الباحث في شؤون الشعر قديمه وحديثه فكانت له مؤلفات كثيرة منها كتابه الشيق عن غرائب الشعر القديم والموسوم
(أغرب القصائد في آلشعر العربي)
ثم كتابه عن روائع الشعر الحديث والذي اختار فيه روائع الشاعر نزار قباني والذي يحمل عنوان ( روائع نزار قباني العاطفية) ومؤلفات أخرى. لا يسعنا الوقت هنا لتعدادها وسردها والوقوف على مكنونها ...
وفي الختام أرحب أجمل ترحيب بالشاعر الكبير أحمد شلبي في رحاب الصالون الادبي متمنيا له ولجميع المتابعين سهرة ممتعة..
و نترككم مع قصيدة اللؤلؤة
(عماد اليونس)
(اللؤلؤة)
كم رحلةٍ- كلما قد همَّ - أرجأها
لم يُؤتَ وحْيًا سماويًّا ليبْدأها
لكنَّ لؤلؤةً تغريه- من زمنٍ-
سبحان مَنْ - مِن حرير النور- لألأها
متى تَلُحْ لا يعُد يدري : أفي فلَكٍ
أم أنَّ- بين عَتيِّ الموج- مَنْشأها؟
فإنْ يَطِرْ لا يجدْ في الأفق ومضتَها
وإنْ يَغُصْ في عميقِ البحرِ أخطأها
..........
كأنَّ خيلاً – تجوبُ البيدَ- طاويةً
ما كان أسرعها عَدْوًا - وأبطأها
أو أنَّ نارًا وماءً طائفان – معًا-
لم تشتعلْ- لحظةً- إلا وأطفأها
أو أحرفًا قد ذوَت أوراقُها فخبَتْ
لم يدْرِ حاملُها حرْفًا ليقرأها
فما الذي في ضياء الشمس أظلمها؟
وما الذي في دياجي الليل ضَوَّأها؟
..........
لؤلؤةٌ .. آهِ منها- تلك - لؤلؤةً
أيُّ البحار عن الغوَّاص أنبأها؟
تلوح إذْ تختفي - تخبو- إذا ومضت
كأن مُظهرَها – في الكون - خبأها
فكيف : من أطعمَ الأطيارَ جوَّعها؟
وكيف : من قد رواها النُّورَ أظمأها؟
..........
منارةٌ- خلف بحر الليل-خافقةٌ
لم يدرِ ملاحُه الحيران ُمَرْفأها
في رحلة تنتهي- في بدئها-أبدًا
وكلما همَّ بالتَّرحال أرجأها
لكنه- لم يزلْ - تُغريه لؤلؤةٌ
سبحان مَنْ في مَحار القلبِ بوَّأها
..............................................................
إدارة الصالون الادبي
(أدهم الشبيب)
7-3-2021
Comments
Post a Comment