الصالون الادبي النقدي الجلسة (6)

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الصالون الأدبي 6
يتواصل معكم الصالون الادبي الذي يديره الناقد الكبير الأستاذ
ادهم الشبيب
وبمشاركة مجموعة نخبوية من الأدباء والمثقفين العرب، وهذه الجلسة السادسة والتي اتشرف باستضافتها على صفحتي، وقد اختار لي الصالون خَمسة نصوص ، ضمّن الناقد ادهم الشبيب و كعادته اربعة منها في تقديمه لي ، و النص الخامس عالجه نقديا الشاعر الكبير و الصديق الاثير
جلال طه الجميلي
...
تقديم الأستاذ ادهم الشبيب
شاعرنا و مضيفنا لهذه الجلسة الطيبة من صالوننا الادبي المستمر بإذن الله ، هو رجل وجيه في قومه يُنتدب للسعي في الصلح بين الناس و غيره ، و للوجهاء طبائع اخرى و تقاليد تجبرهم لسلوك مسالك لانضطر اليها نحن العوام ، فهم يصبرون و يحتملون و يسمعون الحكمة و الاحكام و ينشرونها في كل مجلس ، و قد مر على الادب العربي في عصوره بعض من هؤلاء الرجال شعرا او خطابة فكان ادبهم مميزا على الدوام يتصف بصفاته التي تظهر من بين طيات ماينظمون ، ان نصحا او فخرا او غرضا اخر فهم يذودون عن القيم و لذا نرى شاعرنا الاستاذ عماد اليونس يقول في قصيدة (بالحرف أبارز) :
ونحن الساهرون على ذيادِ
....... نذود عن الحمى وعن العباد
بحرف ٍلا بسـيف ٍقد برزنـا
......... مدادُ الحـرف يُنهلهُ مدادي
وصــدرٍ قد تجرد دونَ درع
........ وقـلـبٍ ملؤهُ حـُـبّ الـبلادِ
فما انا من غزيّة حينَ نغزو
....... ولستُ مكابراً من قوم عادِ.
ولا انا من دعاة الحرب باغٍ
...... رسول ابتغي ســُبلَ الرشــادِ
تغـالـُبُني الـظـنونُ فمـا وهنت
....... وتُغريني العيون على الرقادِ
فلم أخضع لسطـوتهـا ورُحت
....... أعبّ الملحَ في جفنِ السهادِ
و لان شخصية شاعرنا لها جانب مميز اخر و هو الترجمة من اللغة الانكليزية فنراه اوسع افقا في الشاعرية و مناهل صورها ، ليس لان المناهل العربية ضيقة بل لان اللغة الاخرى ثقافة اخرى بل و انسان اخر ، فكما قالت العرب (كل لسان بانسان) . و من نظمه الفني مما نحى به منحى الادب الغربي و تفوق فيه قوله فيما احسبه له شاعرية و ليس شعرا :
كنا نكره لون الزيتون
لان الزيتون اتعبنا قطافه
وحين جاء موسم العنب
الاسود منه والابيض
استبشرنا خيرا
واذا به يخضب ايدينا دما وبارودا
وعناقيدا من اشلاء الفقراء
طال هذا الموسم اللعين
اشتقنا لقطاف الزيتون
وللبدلة الزيتونية
تبا للعمائم وبكل الالوان
تبا للزيف وادعياء الحرية
و للامانة فقد وجدت تلك المقطوعة ( السابقة) في دفتر ملاحظاتي و ملاحقاتي للشعراء ، و قد وجدتني كتبت قبلها (ليس من الضروري ان تقول شعرا ، يكفيك تلك التورية العالية) . و هو لا يدري بذلك الا الان و هو يقرأ معكم !
و له قصيدة رائعة (في الام) كتبها عام 2008 منها بيته المميز :
فتضاءلت كالذي صار وهما ،،، بعدما كنت كوكبا في مداها
و الذي كان موفقا اذ جعل شطرا منه عنوانا لقصيدته التي نعرضها له الان :
كوكبا كنت في مداها
لا تلـمنـي اذا وقـفـت ازاهــــا
...... و تـعـاطيت ادمـعــا بثراهـــــا
مـذ تذكرت نشــأتي والحنان
...... وفـطـامـي بانني لــن اراهــــــا
فتضاءلت كـالذي صـار وهمــاً
..... بعـدمـا كـان كوكـبـا في مداهــا
ان تشقٌ الجيوب فليس عيبا
...... أو تثار الشـجـون في ذكراهــا
انمــا الخــزي قولــَهـم هــو لاهٍ
...... عـن حـكايات أمـه فنســاهــــا
هل بسيطٌ ماسامها عند حمل
...... أم قليلٌ عند المخاض بلاهـــا
كـيف انسى الدلال والدللــول
..... أوَ يُنسى اطعـامهـا وكساهـــا
أوَ ينسى اظلالـهـا كـلّ صــيفٍ
..... أم سأنسى اشراقها في شتاها
أم سانسى نكرانهـا كـل شيء
.....و هـنـاءُ الـبنين كــل منـاهـــــا
آثرت ان لا تســتريح فـظلـــت
في صراعٍ مع الكرى مقلتاهــا
حـتى ينام طـفلـهــا مـلأ عـين
..... بعد حين سـتهتدي عيناهــــــا
كــم تمنيت ان اعــود صـــغيرا
.... مســتجيرا بحجـــرها ورداهـــا
ليت يوم الختام لـي يوم مـاتت
.... ليت شعري ماعشت يوما خلاها
أما اذا شكى كبار القوم الذين يشكو اليهم الناس فسيتفجرون كما في قوله من احدى مقطعاته القصيرة في بغداد و كان يعني الوطن كله :
ياحظ بغداد بين الزهو والوهنِ
............ كأنها واحة للخير والفتنِ
يرتادها فارسُ تسمو بطلته
..... وتزدري خائنأً من طغمة الوثن ِ
تبا لنيسان لم يكذب كعادته
.... فقال صدقا لنا عن محنة الوطنِ
و كانت لفتته بتضمين الاشارة لكذبة نيسان الاسطورية ، لفتة جميلة ، و نترككم لترون الاجمل بعيون رواد الصالون و متابعيه .
وقد قدم الشاعر الكبير جلال طه لقصيدة "آن الأوان" قائلا:
لا شك أن الولوج الى عالم أي شاعر يحتاج الى أن تجد مفتاحا يساعدك على فك رموز ومنهج ذلك الشاعر كي تكون لديك نظرة شمولية أكثر واقعية عن خلاصة تجربته الشعرية..ولقد كان لي شرف صحبة الشاعر عماد اليونس لفترة ممتدة في المودة والإخوة فهو بالدرجة الأولى ذلك الإنسان المطبوع على منظومية قيمية يستمد منها زادا أخلاقيا ساميا وتلهمه كثيرا في معالجة ما يعرض له من شوارد القوافي وأفانين البيان...ومن هنا كان لزاما على من ينبري لتحليل نصوص الشاعر أن يكون آخذا بنظر الإعتبار التكوين النفسي والإجتماعي للشاعر...
في قصيدته (آن الآوان) يفتتح الشاعر القصيدة بحتام الإستفهامية وهي نحت لكلمتين حتى متى كما هو معلوم .ويبدو أن القصيدة التي تُفتتح بالإستفهام عموما تحمل بين طياتها آفاقا فلسفية تغمض أحيانا وتتضح أخرى حسب عمق الرؤية الفلسفية والفكرية للشاعر..
حتامَ تمنعني ؟ تساؤل يخفي وراءه هواجس شتى ..يفصح عنها الشاعر بقوله ..فأقفلُ راجعا..التي تشي بالخيبة التي كانت تتشظى في نفس الشاعر مع ما توحيه بالندم والتسليم القهري للقدر تارة ولأهواء ذلك المانع الذي قد يكون حبيبا أو ربما عدوا..ثم يكرر التساؤل والام أحفظها الى أي مدى سأحتفظ ..ولكن بإي شئ؟ لم يذكر الشاعر ما الذي يحفظ؟ وهذا الإضمار ينطوي على أسلوب بلاغي يوحي بالكثير .. وكأن الشاعر هنا تعمد إخفاء ما أراد أن يكون حريصا على حفظه لتتعدد صور هذا المخفي ويكون بالنتيجة هو جميع ما تفرق في أذهان المتقين، وهو اسلوب ذكي يكثف المعنى ويثقلهُ بالإبداع..
وهكذا حينما نلج الى عمق القصيدة تتضح الرؤية واذا بالشاعر يضعنا وجها لوجه أمام حقيقة مرة علينا أن نتجرعها رغم مرارتها وهي هذا الضعف الذي خيم على أمة كانت يوما ما سيدة المعمورة...ومن هنا يحسن أن أذكّر أن الأجواء التي عاشها الشاعر ألقت بضِلالها على منحى القصيدة فصديقنا أبا وهاب أُشربَ حب العروبة مذ كان يافعا ونحن نعلم أن عقد الستينات والسبعينات كانا يضجان بالمد العروبي الذي أوشك أن يؤتي ثماره لولا عوامل لا مجال لذكرها هنا...ثم يعمد شاعرنا الى تصوير الخيبة التي أطاحت بأحلامه في رؤية أمته وهي تستوي على سوقها بعد أن لاحت أشباح الظلام لتغتالها بقسوة..
آن الأوان
حتام تمنعني فاقفلْ راجعا
....... وإلام احفظها وأبدو ضائعا
ياطول رقدتها تغط بخاطري
...... عسفا وتسمعني كلاما لاذعا
آن الأوان لكي نبث شجوننا
...... ونصوغها بين الأنام مواجعا
آن الأوان لكي نفك رموزها
......... . ونعد للالغاز درسا ناجعا
ستظل أن تركت مثار همومنا
...... مثل الغيوم رواكما وزوابعا
عادوا وعدنا نستدر كرامة
... وانا بظهر العيب صرت متابعا
عادوا وعدنا للقتال إشاعة
.....عجبا لخط الجبن أصبح شائعا
عجبا لراعي الدين ينكر نخوتي
......ويفت في عضد الشبيبة خانعا
أتراه يعبر من صراط عروبتي؟
...........فمآثر الاعرابِ صرن مقامعا
اتراه يحذر من سطوع حضارتي
....من أن يرى نجم الحقيقة ساطعا
غول توشح بالسواد يخيفني
.........واراه من بين المواكب طالعا
ماانفك باغي الشر يرتع عندنا
............وموائد الاكرام بتن مراتعا
مازال يصنع في الظلام طقوسه
....ويقيم في حجب الضلال مصانعا
قدر الكريم يجود وقت جفافها
..........والناس تقتر إذ تحوز مرابعا
ياجابر العثرات دونك عثرتي
..........أضحت تعالجُ كاحلا وموانعا
__________________
من الجدير بالذكر اننا لم نتمكن من الوصول إلى الشاعر الكبير
مكي النزال
ونأمل أن يلتحق بنا ليدلو بدلوه..
ادهم الشبيب
إدارة الصالون الأدبي
الجلسة السادسة
You, جمال سرير عبد الله, Somia Ahmed Almadih and 82 others
156 comments
4 shares
Love
Love
Comment
Share

Comments

Popular posts from this blog

الصالون الادبي النقدي -تحكيم السجال (3)

الصالون الادبي النقدي (15)

مداخلات الصالون الادبي النقدي (11)