الصالون الادبي النقدي (16) افتتاح المجموعة -مقال الافتتاح

 الصالون الأدبي 16

بسم الله وبحمده نفتتح المجموعة الخاصة بالصالون الأدبي استجابةً لجمهور الصالون ونقاده ومتابعيه في بلاد العرب.
الجلسة 16 ستكون دراسة نقدية رصينة كتبها مؤسس الصالون الناقد الأستاذ أدهم الشبيب شارحًا ومحللًا لفصول مهمة في الأدب وملقيًا الضوء على حقيقة الشعر وطبقاته الإبداعية والمتطفلين عليه؛ كما يبين ماهية النقد وواجبات الناقد المخلص لفنه وعلمه بعيدًا عن الانحياز مهما كانت الأسباب والدوافع. كما تبين الدراسة أهمية التركيز على شعراء معاصرين بعد أن أشبع الأولون دراسة وتحليلًا.
ويختم ناقدنا الفذ دراسته النقدية الشاملة بإضاءات على قصيدة طويلة للشاعر مكي النزال والتي اتخذ منها مثالًا لما كتب في الدراسة مع مقتطفات من القصيدة.
تفضلوا بقراءة دراسة الأستاذ الناقد أدهم الشبيب:
حلبة الأدب ودور النقد
الأدب ميدان رحب وفروعه متعددة ومبدعوها هم صناع الجانب الأجمل من الحياة بوسيلة الكلمة وأدوات تأليفها كما الموسيقى بوسيلتها النغم وآلات تلحينها وكما الرسم ووسيلته الخط وأدوات تلوينه وتحسينه.
ولا زال النقاد يبذلون الجهود الحثيثة المضنية استقصاء وبحثا ودرسًا لمعرفة السر الكامن وراء الإمتاع النغمي للموسيقيين والإبداع في لمسات الرسامين والخلق الجمالي للشعراء والمتأدبين، وهذا لا أسميه إبداعًا لان الشاعر الحق عندي لا يبدع فقط بل يخلق، وإذن فالسعي حثيث للوصول لحقيقة السر المخبوء خلف قريحة بعض الشعراء، من شهر وبرع منهم على وجه الخصوص. ولا يعنينا الهمل ممن يدعون الشعر او يتسلقون اسواره عبثا إلا من أقر منهم انه في اول الطريق فلا تثريب عليه ان يعد من محاولي الشعر، وإني أثمن فعلا لبعض منهم وقد خاطبوني احيانا نافين عن أنفسهم لقب الشعرية معترفين انهم يحاولون التوصل لذلك.
و النقد لا يكون الا ميزانا عدلا فان اصابه بعض الشطط من تحيز -مع او ضد - لحب او بغض سقط دوره و ضاع سلطانه ، فهذا هو الآمدي من نقاد القرن الاشهر (الرابع الهجري) في كتابه " الموازنة بين أبي تمام والبحتري "تجده شديد التحامل على أبي تمام، ولم يجن ابو تمام اي ذنب سوى انه اكثر من البديع الذي عده الآمدي "تكلفا" . و لو كان هذا صحيحًا ، فانه لا يسوغ ان يكون ضد الشاعر حتى جعل الناس تتحيز للبحتري دون وعي او حق الا لسبب شهرة ذلك الناقد الكبير في عصره . وحتى الجرجاني القاضي عبد العزيز (وليس الامام عبد القاهر صاحب دلائل الاعجاز – بل هو شيخه و هو من القرن الرابع ايضا و هو مؤلف كتاب " الوساطة بين المتنبي وخصومه ") و كان يظن نفسه يرد فيه على رسالة الصاحب بن عباد الكاتب الامير و الناقد الشهير ويفند آراءه ويكشف تحامله على المتنبي. و لكن الرجل عثر في مهاوي التعصب لولعه بشاعره فدافع عن بعض العيوب في شعره و دأب على تبريرها، فأوقع نفسه ضحية للكيل بغير مكيال النقد الموضوعي العادل اذ انتقد الشاعر أبا تمام أشد النقد لإسرافه - ضمن أمور أخرى - في التركيز على البديع و الجناس بالأخص في شعره، لكنه يغض الطرف عن المتنبي الذي نعلم انه اسرف اكثر من ابي تمام في اشكال البديع الاخرى .!
فان النقد عند اهله العدول في فنهم المخلصين لحرفتهم معيار يحمي المبدعين و يقصي المدعين و يمهد الساحة للمحترفين و يبعد عنها المتزلفين .
فلما وضع الحاتمي للشعر حدودا أربعة من اللفظ والمعنى والوزن والتقفية، واشترط "أن تكون ألفاظه عذبة مستحبة ومعانيه لطيفة واستعاراته واقعة وتشبيهاته سليمة . وأن يكون سهل العروض رشيق الوزن متخير القافية رائع الابتداء بديع الانتهاء " انما اراد ان كل مقرض للشعر لابد يخضع لهذا فنعرف حسنه من عدمه ، دونما نظر لاسم فاشل قدمته الاغراض او اخر ناجح اخرته الاحقاد و الامراض .
و نحن اذ نعنى بالشعر الحديث و المعاصر و متقنيه من الطبقات الاولى، فذلك لان شعر الاقدمين كان اشبع نقدا، و نحن هنا لندافع عن شعراء عصرنا و نحيطهم بالعناية و التتبع و اظهار محاسن شعرهم و تاشير مواطن الضعف فيه كما كان الجاحظ وابن قتيبة والمبرد في دفاعهم عن المحدثين في عصرهم واظهار الأعجاب بهم.، فالتنافس و التداول بين القديم والجديد قديم وسيبقى ما دامت الحياة تجدد نفسها وتتطور. . و انا لا اؤيد ابدا قول القائلين ان الشعر ختم بفلان او تسيده فلان ، لاقديما و لاحديثا ، و اقرب راي اسانده قول ابن قتيبة في كتابه " الشعر والشعراء " "ولم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن ولا خص به قوما دون قوم "انتهى كلامه .
فكما كان في الاولين المهلهل و امرؤ القيس ، كان فيمن معهم من امثالهم كثير ، طرفة و زهير و من هم بعدهم في المكانة بقليل حتى انك تعجب كيف ينسى ذكر الشنفرى الازدي اليمني و هو صاحب لامية العرب في عصره .
و كما كان في الاسلاميين الحطيئة و ابو ذؤيب الهذلي فقد كان يشاركهم المكانة النابغة الجعدي و كعب بن زهير و امثالهم كثر .و كما كان العصر الاموي يفتخر بجرير و الفرزدق فقد زاحمهم في ذلك الاخطل و الطرماح وعمر بن أبي ربيعة و قيس المجنون و ابو الشمقمق و الشعراء العذريون الذين ملأوا ديوان العرب بالحب ، و الغزل و قبلهم ذو الرمة شاعر الصحراء المتمكن . فرغم انه من الطبقة الثانية في عصره الا ان أبا عمرو بن العلاء الناقد الراوية قال عنه : "فتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرمة". و هذا انما ينئبك بميل النقاد المعتبرين احيانا لشاعر من الكبار دون اخر و لكنك لو تتبعت الامر لوجدته لايعدو ان يكون مدحا في محله لبراعة الشاعر و تاثير سحره عليهم في جانب من قصيده .و يدل على ذلك في امر هذا الشاعر ان جريرا نفسه - و هو الشاعر العربي الوحيد الذي لم يختلف عليه ناقدان- حتى حل فريق جبران و بشارة و الجواهري . فذو الرمة هذا هو من قال عنه جرير نفسه " لو ان ذا الرمة خرس بعد قوله :
مابال عينك منها الماء ينسكب ،،،، كانها من كلى مفرية سرب
لكان اشعر العرب!
ولم يكن المتنبي و حيد عصره في العباسيين بل واحد من كثير ، لك ان تتخيل فقط ان من عصره بشار بن برد و ابا نؤاس و ابا العتاهية و المعري و ابن الرومي و الشريف الرضي و ابن المعتز و العباس بن الاحنف و صاحبيه ( ابا تمام و البحتري) و امثالهم كثير . ورغم انه صار المتصدر مالئ الدنيا وشاغل الناس فلم يطغ ذلك على اولئك و مكانتهم و اثرهم في شعر العرب و جمهوره و عناية النقاد . ثم جاء عصر النهضة الحديث و برز ابو القاسم الشابي و السياب و احمد شوقي و الرصافي و الحبوبي و البردوني و الحلبي و شعراء العامية الافذاذ في اقطار العرب المترامية ، و ها نحن في عصر فيه من الشعراء البارعين من رأيتم و سترون .
فما من شاعر ختم الشعر و لا من مبدع تسيده على طول المدى و لكل الاغراض ، فالشعر ينبوع باق و مرتادوه لا يملّون و سقاته لايكلّون ، فلكل شاعر شاعرية خاصة ومكانة وفن يتقنه ونمط يناسبه ، فاذا رأيت ( انا) الشاعر يضخم من الفاظه ويدور ابدا حول فلك واحد ناشدا المبالغة في كل شيء صار عندي شاعرا من اهل الصناعة مهما برع واجاد في بعض المواضع ، وان هو قال في كل شيء واجاد في كل غرض وكانت الفاظه طبعًا وتبعا لمزاجه وبحور يجد نفسه منساقا اليها ويعلو جرسه وينحفض ولايزال محافظا على براعته وشاعريته في الحالتين ،فهو المقدم عندي على غيره ، .كما و لست اقبل مطلقا اخضاع الحكم على الشاعر و قدرته لموقفه او دينه او خلقه، فكما قال ابن المعتز: "ما ظننت أن كفرا ينقص من شعر ولا أن ايمانا يزيد فيه "
فالشعر كما اراده النقاد "هو وصف الشعور وجدانيا بالكلمة المناسبة المعبرة عن الحال الصادقة"، ونضيف عليه (او المتخيلة او المرجوة او ربما الحالمة) ، فاذا كانت الكلمة مبتكرة والتاليف مميزًا فهذا شاعر والا فهو متكلم عادي اصيل . و التاليف المميز هو ان الكلمات مؤلفة ضمن معايير الوزن والفن والقافية و غير ذلك من شروطه ، فهذا يكون شاعر عمود وهو اعلى مراتب صناعة الشعر عندي ، وان كان دون ذلك كالمقطع او شعر التفعيلة و ما دونه مع الحفاظ على معنى متماسك بيّن و نغم موسيقي ليّن فهو شعر حر ، ثم تنتهي اقسام الشعر و مسمياته اذا خرج عن ذلك ليصبح نثرا ، و للنثر مراتب عليا ايضا و ابداع لا يدانيه حتى الشعر احيانا. كالمقامة و المقالة و الرسائل و الخواطر و المناجاة و اقسام النثر الفني ثم الرواية و القصة و ماتشمله فروع الادب.
والقافية مرتكز القصيدة الشعرية عند العرب ، و لا شعر بلا قافية ، و من نظم كلاما شاعريا و ضمنه معاني جميلة و صور ملفتة ، و لم يضع له وزنا منضبطا من بحور الشعر المعروفة و لاقافية متكررة في كل بيت ، فهو ناثر . و قد يكون نثرا جميلا و فنيا ، و لكنه نثر . و كل ذلك بسبب الوزن و القافية . و لان جهلة الشعر لايعرفون حقيقة القافية فانهم يظنون انهم اذا و ضعوا حرفا متشابها في كل نهاية مقطع او جملة فقد قفوه و اصبح شعرا ،وفاتهم انها مجموعة الأحرف التي تبدأ من آخر ساكن في القصيدة حتى أول متحرك قبل الساكن الذي يليه، وهي ستة احرف لكل منها اسم و وظيفة . تنقسم إلى نوعين رئيسيين من حيث الإطلاق أو التقييد، و لكلٍّ أنواعه فالقافية المطلقة يتفرع منها أنواع . وقد تكون القافية كلمة واحدة أو بعض من الكلمة أو أكثر من كلمة، كما يشير علم القافية .
او لربما ظن بعضهم ان تقطيع بعض الجمل الطويلة بايقاع صوتي معين هم يخترعونه او يستسيغونه يجعله شعرا موزونا . من قال ان ماتستسيغه اذنك هو الصحيح ؟ ماذا ان كنت لاتملك اذنا متحسسة لجمل الموسيقى ، و لاتميز نشازها من سليمها ؟ اليس ذلك واردا ؟ نعم هو وارد ، بل و هو الشائع و استثناؤه ان نجد من لديه حس موسيقي منضبط ، و الا لاصبح الكل موسيقيين و شاعت الموهبة و انحسرت البلاهة و برود الطباع .
كم من رجل تكلم في العلم و ماحك العلماء و جادل علمهم و خرج على الناس يتمنطق و يتنطع ينتقص من هذا و يرد على ذاك ظانا انه اوتي من العلم ، و لا يدري بل و لايدرك انه بليد احمق لايعلم شيئا ، و انما نفسه و عقله من يصوران له ذلك ، فتراه لايسمع معترضا و لايلتفت الى ناصح و لا يجفل من مستنكر و لو اجتمع عليه الف منهم ، و لو احرجه كل يوم مائة من الموثوقين ، بل لعلك تراه يبرر ذلك ان "اتباع الحق قليلون" و ان "اهل الرسالات على الدوام عند اقوامهم مستنكرون" و من اجل امثال هؤلاء فقد وضع اهل التخصص و العلم و الذوق لكل فن قواعد و ضوابط . وجعلوا لكل علم نقاده الذين يُلتجأ اليهم بعد الشهادة عليهم و الشهادة لهم بالمعرفة و المهارة في هذا الفن ، حتى لا يصبح فوضى لا امير له . و لا تكون العلوم مرتعا لمن هب و دب يقول مايشاء و يهرف بما لايجوز .
و من هذه العلوم و تلك الفنون فن الشعر وميدان الادب ، فان ترك لكل حالم او واهم ان يكتب شيئا لا يعرف هو كنهه و لايجيد حتى نحوه او املاءه فنقول عنه انه كاتب ، صار الكل كتابا و ما عاد الناس و الجيل يعرفون من اين يأخذون معاني الكتابة و اصولها ، و لا يدرون من يقدرون و يقدمون وعلى من يثنون .
و اذا ترك لكل متمن او متغن ان ينظم ما يحلو له و يشدو بما يؤنس أذنه ، و هو لا يعرف قبله من دبره ، و نقول عنه انه شاعر او ناثر ، صار الكل شعراء ، و امتلأت الأرض بالأدباء ، و ما عاد الناس يميزون غث الكلام من سمينه ، و اذن فلن يكون لجيد القول مكانة و لا لجميل الشعر اثر ، و لا لنوادر الحكمة معنى ، و لا حتى للعقول الراجحة شأن .
ليست الكلمة و صناعتها و تاليفها كما يظن المتنطعون عليها المتنسبون ظلما اليها ، فلو كانت كذلك لما تحدى الله بها عتاة الناس و ساداتهم و اجازهم ان ياتوا بكل من يستطيع النظم و الانشاء و الابتكار في القول المميز ، و جعل حسن القول و جودة معناه دليلا على اخطر شيء في الوجود ، فقال : " فان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله" وحثهم على الاستعانة بافضل الذين ينظمون او يكتبون او يتكلمون "و ادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين"
و لكن النقد هو الحاكم دون ادنى شك او تفلت ، فالنقد هو الذي يفرز البضاعة المزجاة من المنتقاة ، و هو الذي يعطي لكل عمل محله علوا و دنوا ، يقول الشاعر :
ولما رايت الناس دون محله،،،، تيقنت ان الدهر للناس ناقد
و لست اقول لك تقيد بما فعله كل من قال قبلك و لاتكسر قيدا ، بل ان العقاد جاحظ عصره يرى ان الابداع يكون بكسر القيود فينتج التحرر والحداثة ، فالقيود تكسر و لكن القواعد تتبع ، وهذا قوله ، وهو ادرى بهذه الصناعة من غيره . و قلت يوما تصحيفا عن قوله و تاسيسا عليه :"ان من يكسر القيود يجدد و من يكسر القواعد يبدد"
وبعد ، فان الادب هو الابداع المجرد البكر النقي و ان النقد هو الابداع المركب الذي يحميه فيبعد غير المستحقين من حشر انفسهم ويحد من منافسة المدعين امام الجمهور الذي قد تختلط عنده الامور ، و هي لن تكون كذلك عند النقد ، و من ظن غير ذلك فقد شط . فالنقد موهبة ممزوجة بالمراس ، وعلم مسبوق بسلامة الطبع و نباهة الذوق و نجابة النفس . فليس كل مايستحسنه العامي او الجمهور هو حسن عند اهل الصنعة من النقاد فهم اعلم باسرارها و صحيحها من سقيمها و ان ظن البعض غير ذلك .
وقد حكي أن رجلاً قال لخلف الأحمر الناقد الراوية: ما أبالي إذا سمعت شعراً أستحسنه ما قلت أنت وأصحابك فيه !! فقال له خلف: إذا أخذت درهماً تستحسنه وقال لك الصيرفي إنه رديء ، فهل ينفعك استحسانك إياه؟
اما الشعر فهو موهبة ربانية خالصة ، -واقصد به الشعر الشعر من امثال ما اسلفناه و ذكرنا رجاله- ، فلا يقدم عليها كل احد او يتجرأ عليها الا من اوتيها حقا فيتربع على عرشه ، او من ادعاها جهلا فيسقط من اوطأ فرشه. فليس من يعلم بالشعر كمن يؤتى موهبته، بل ابعد الناس عن الشعر –من غير الشعراء – هم العالمون بأسراره و أدوات اتقانه ، و قد قيل للمفضل الضبي الكاتب العالم الناقد: لم لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ قال: علمي به هو الذي يمنعني من قوله، وأنشد :
وقد يقرض الشعر البكي لسانه ،،،، وتعيي القوافي المرء وهو لبيب
وتلك هي حلبة الأدب، و هذا هو دور النقد.
أدهم الشبيب 2021-3-21
**
بين أيدينا اليوم و لهذه الجلسة السادسة عشرة للصالون الادبي النقدي، و هي الجلسة الاستثنائية كما ترون حيث انها افتتاح لتوسعة جديدة طالما طالبنا بها محبو الادب و متذوقوه و المهتمون بالنقد و مريدوه، و رواد الصالون و متابعوه. اقول ان القصيدة التي نعرضها لجلسة اليوم المهمة والتي عدنا بها لتبيان واسع نسبيا لحرفة الادباء ودور النقاد.
هي قصيدة من الطراز الذي تحدثنا عنه في دراستنا، تليق بان تكون مما يمثل الشعر في عصرنا فنزاحم به اسلافنا و نرضي به اجدادنا الافذاذ الاولين من الادباء و النقاد و الفنانين. و بعد تلك الدراسة لا يسع المجال لتحليل تلك القصيدة البائية العالية الطراز و الجرس و السبك، وقد تناولتها بدراسة خاصة مطولة في فصل منفرد يغطي أركانها و محاسنها، اما عرضها اليوم فسيكون مصداقا لما قدمناه من شروط صحيح الشعر و معاييره. و ليس من عمل بشري كامل يخلو من العيوب ، و لكن الجمال الطاغي و الحرفية المسيطرة تغفر اللمم من الزلات . فإلى قصيدة من شعر الطبقة الاولى وهي القصيدة المسماة (حبستُ بأضلعي) للشاعر العربي المقدم مكي النزال:
و لان القصيدة من المطولات النادرات تتجاوز ابياتها المائة فسنختار لكم منها ما تقع عليه اعيننا دون تعيين فليس بين ابياتها تفاوت في الجودة.
يقول من مطلعها الذي يستدعي الاصغاء و يبين مقدرته الشعرية على شروط ابن الأثير:
حبستُ بأضلُعي قلبًا تصابى * وصاحبُ حكمتي افتعل ارتيابا
تغافلَ ذاهِــــــــــلًا عمّا اعترانـــــــي * وزاغَ لغيرِ دُنيايَ انتدابـــــــــا
وصاحبتي الَّتي أوفَتْ بعهدي * يُشاركُ دمعُها دمعي انصبابا
تضمِّدُ بالحنان جراح قلبـــــــــي * وفي دعةٍ تشاركني المصابا
تُسرِّي بابتسامِ الطِّفلِ عنِّـــــــي * وترقيني وتنتظرُ الإيابــــــــــــا
وتسقي الجُرحَ بلسمَها دُعاءً * أراهُ لفرطِ لوعتِها مُجابـــــــــــــــا
تهدهدهُ بما حفِــــــــظَتْ وِدادًا * وتسكبُ في تضرُّمه الرُّضابا
تقولُ: لطولِ فقدِكَ قُربَ قلبي * تُطيلُ الشَّمسُ عن أُفقي الغيابا
تحِنُّ إلَيْكَ روحــــــــــي مثلَ أُمٍّ * وطولُ السُّهدِ يُفقِدُني الصَّوابا
وفي أوسطها من غرض الفخر ينشد:
عراقيٌّ أنا والخيلُ خيلي = تُجَنُّ إذا غَدَتْ تبغي طِلابا
تثورُ فتحفرُ الأرضَ احتدامًا = وتطويها فتُنتَهبُ انتهابا
تُحَلِّقُ إذ تُغيرُ كأنَّ صقرًا = تحمَّلَها لتعتليَ السَّحابا
سلوا التّاريخَ والأخبارَ عنها = وعن مجدٍ تليقُ به انتسابا
وكَمْ كظمَتْ عن (الأحباب) غيظًا = وقد وشمُوا خواصرها حرِابا
إذا سقَطَتْ تمادوا في ابتعادٍ = وإن نهضَت يرومون اقترابا
وأعداءٌ لها حَمَلوا عليها = يرافقُ جمعَهُم حشدٌ تغابى
يقولون انتهت وهي ابتداءٌ = تألَّقَ في انطلاقته مُهابا
وإنْ صهلَتْ دَنَتْ منها قلوبٌ = تُشارِكها التوثُّبَ والرِّكابا
تُبادِلُها الصَّهيلَ نقِيَّ نبضٍ = هزيمُ رعودهِ ملأَ الرِّحابا
وفي الحماسة والنصح يقول:
أما من راشدٍ فيهم يُريهم = طريقًا في ظلام الجهلِ غابا؟
تطيلُ الشَّمسُ غيبتها ولكن = يكون لضوئها دومًا مَثابا
لتقشع ما تراكمَ عن سماء = ملبَّدةٍ، وتحتلب الرَّبابا
ألا يا فارسًا لم يخشَ بأسًا = تغوَّلَ في العوالم حيثُ جابا
أقم عُرسًا أطال لك انتظارًا = وكُن نهرًا أبى إلا انسيابا
على أرضٍ زهت في الكون حُسنًا = وأرواحٍ هفت ترجو مآبا
وقدِّم للقيامة وعدَ يومٍ = وأعلن في مناقبها انقلابا
أدر فيها الرحى حزمًا وعزمًا = بمن أزرى بها خبثًا مُعابا
وكن كالنَّخلِ إن خفقته ريحٌ = أبى إلاّ سموًّا وانتصابا
وأطعِم سائليكَ زكاة شعرٍ = إذا ما زرعهُ بلغ النِّصابا
ويختمها بقوله:
تقاتلُ من طغى في الأرض ظلمًا = وأوغل في جرائمه ارتكابا
وحولك فتيةٌ طُلّابُ شأوٍ = أتوا بالحقِّ منتزَعًا غلابا
تعلَّق ردنَ من طلبوا المعالي = ورافق من علا منهم جنابا
وجالد واجترئ وادهم وجاهد = وأسقط من معاجمك انسحابا
تفتَّق في عيون الليل فجرًا = ولا تهدر مشاعرك اكتئابا
سليلَ الخالدين تحدَّ خطبًا = جسيمًا إن دها جبلًا أشابا
وكُن طوق النَّجاة بكلِّ خطبٍ = إذا سألتهُ أُمّته أجابا
***
مع تحيات الصالون الأدبي النقدي

Comments

Popular posts from this blog

الصالون الادبي النقدي -تحكيم السجال (3)

الصالون الادبي النقدي (15)

مداخلات الصالون الادبي النقدي (11)