الصالون الادبي النقدي (17)

 

مشرف
 ٢٨ مارس 
بسم الله الرحمن الرحيم
الصالون الادبي (17)
جلستنا الاسبوعية الرئيسية لهذه الليلة مع الأستاذ ..
الشاعر ( رفعت غليسي )
قدم له كالمعتاد الناقد الكبير الأستاذ ( أدهم الشبيب ) بهذا التقديم :
الشاعر الذي بضيافتنا اليوم يكتب في العمود و في التفعيلة و احيانا قليلة يعبر عن خلجات نفسه بمقطوعات نثرية . و هو يجيد فيها جميعا كما لاحظت من متابعة نصوصه التي وضعت بين يدي منذ حين لانتدابه في ضيافة الصالون ، و قد كنت راغبا منذ ذلك الحين الذي عرضت علي نصوصه فيه ، ذلك لانه شاعر من اليمن السعيد (الذي نرجو ان يعود سعيدا) ، سعيا من منبرنا هذا الى التنوع و تغطية اكبر مساحة من شعر بلاد العرب الواسعة ، و لكني لا اكتمكم ان ما كان ارسله لي من نصوص لم توافق معاييرنا العالية التي تفرضها جلسة الاحد الرئيسية التي يراقبها الكثيرون و يطمحون اليها و يطمعون دائما ان تبقى مميزة و محتضنة لشعراء كبار. و لكني و بمحض الصدفة قرات له اليوم قصيدة يقول منها :
أعاتب فيك ارتحالي قهراً ،،،، فما عشت فيك الحبيب المعنى
وما قط يوماً بكيت غراماً ،،،، ولا للعذارى أدندن فنّا
و في ختامها يقول :
أقلبي غير القلوب تجلى ،،،، وخطوي غير الدروب تسنى؟
وأنثاي بعد لما ستأتي ،،،، لأصدح بالحب لفظاً ومعنى
ليس الابيات المذكورة سالفا هي ما اثارني -فكما يرى المختصون لدي عليها ملاحظات- لكن الابيات ذكرتني بابيات اخرى كنت قراتها له سابقا تعالج نفس الامر فلفتني ذلك ، ففي ابيات جميلة و جيدة السبك من قصيدة اخرى يقول :
ما عشت يوما لوعة العشاق ،،،، أو لوعة الشعراء في الأحداق
ما كان لي خل أهيم بوجده ،،،، فأسامر الأسحار في أوراقي
لو تنبهتم فان الشاعر يقول شيئا اعتدنا ان يشكو الشعراء من ضده ، فهم دائما يتغزلون بمعشوقاتهم الحقيقية او ربما المتخيلة لضرورة نفسية و شاعرية و لكن شاعرنا دأب ان يقول او ربما يشكو من شعره ان ليس لديه ملهمة و لا حبيبة يتغزل بها ، و مع هذا فهو ينجح في هذا الجانب الوجداني من الاغراض الشعرية . و هو في نفس القصيدة يشاركني هذا الاستغراب من نفسه و قدرتها على البوح العاطفي دونما تجربة واقعية لحبيب فيقول :
كم من قصيد الحب صغت حروفه ،،،، وكأنني عشت الهوى بعناق
و لذلك هو ربما يجد ان ليس شرطا ان يعشق الشاعر فعلا او يتخيل العشق ليقول شعرا :
عجبا أأهل الشعر فرض واجب ،،،، أن يبحروا في الحب والأشواق
هذا من قصيدته المسماة (و طن بلا عشاق ) و التي يبدو انه يصف جدب الارض من العشاق بسبب انتشار الخوف و الحرب و المآسي فيما حوله من بلده ، القصيدة منها بيته الفخري الجميل :
ولد القصيد معي فقدت عنانه ،،،، في الأرض في الأفلاك في الآفاق
و هذا نصها :
وطن بلا عشاق
ما عشت يوما لوعة العشاق ،،،، أو لوعة الشعراء في الأحداق
ماكان لي خل أهيم بوجده ،،،، وأسامر الأسحار في أوراقي
إني أتيت الى الحياة كشاعر،،،، جهل الهوى والحب دون تلاق
ولد القصيد معي فقدت عنانه ،،،، في الأرض في الأفلاك في الآفاق
ولهوت والأصحاب أسمع بوحهم ،،، بالحب في عجب وفي إطراق
لكن قلبي ما تقبله الهوى ،،،، أترى فؤادي ليس بالخفاق
كم غانيات في الغرام رمينني ،،، بشباكهن فصرن للإخفاق
كم من قصيد الحب صغت حروفه ،،،، وكأنني عشت الهوى بعناق
عجبا أأهل الشعر فرض واجب ،،،، أن يبحروا في الحب والأشواق
أم أن أيامي أقضت بسمتي ،،،، فغدوت في وطن بلا عشاق
و رغم ان شعراء الطبقات الوسطى و التي اعد شاعرنا منهم لا يعلو عن ذلك الى الان –ربما يفعل ذلك مستقبلا- و لا ينزل عنه الا نادرا في بعض الهفوات التي راقبت انه يعالجها و ينجح في ذلك مع الزمن . اقول رغم ان شعراء تلك الطبقة لا يتمكنون عادة من رأب بعض التصدعات في جوانب قصيدهم ، و يكثرعندهم تكرار الاغراض و مداومة البحور و ملازمة مشهور القوافي ، الا ان شاعرنا شدني اليه بنجاحه في الاقلال من تلك الصفات و النجاح الملحوظ من حين لآخر في الانفلات من ذلك :
مثلا يقول في غرض خليط بين الشكوى و الحماسة من قصيدة مطلعها يلفه طباق جميل :
سأقاوم الآلام بالآمال ،،،، وأدافع الأشواق بالترحال
يقول في بقيتها :
سأعلم الأيام بعض مواجعي ،،،، لحنا ستعزفه بكل مثال
سأسطر المنفى كواحات الإبا ،،،، تحكي الحياة على جفاف رمال
ماض أنا دربي يخط به الجوى ،،،، أملي يقينا بانتصار مآلي
ما هزني وجع المسافات التي ،،،، منذ الصبا في الحل والترحال
كما يرى المتلقي فانه كرر لفظة القافية و هذا من الضعف الشعري ، و قد حذفت من القصيدة بيتين فيهما كسر عروضي في الوزن ، و لكنه يكمل :
ماض أنا بالنصر لست بغيره ،،،، سأزيل وجه القبح والأنذال
سيشع من ألمي ضياء دونه ،،،، صدق الجهاد وروعة الأبطال
و سنراه هنا ينتقل الى غرض مختلف و لون مختلف و نجاح ظاهر في اسلوب المقطوعات الشاعرية الجميلة قوله في المقطوعة المسماة (سآتي إليك...) .منها عبارته المعبرة (سآتي اليك ، وفي خافقي الابا و السنا ،،،،و في راحتيك ابتسام الوليد) ، نعرف ان الوليد يبكي ، ولكنه يتحدث عما بعد لحظة الولادة عندما يكون بين راحتي امه فيسعدها بابتسامة كما نعلم ،،و بدايتها و نصها :
سيخضر وجه الربا من جديد....
فلا تخذليني.....
وشدي لبأسي اصطبار السنين.. التي أثقلتني....
سيخصر وجه البقاع... وموج البحار... التي جمعتنا
وكل الأماكن... حيث.. التقينا..
. صباحات حب... وليد سعيدِ
ستخضر كل الخطى التي أتعبتنا..
وكنت إلي بلحن الحنين.....
تعالي. إليَ....حبيبة... عمري...
فإني وحيد اشتياقي...
وأنشد وحدي انتصاراتِ حبً قوي النشيدِ
سيخضر وجه المحال العتيدِ
فلا تحزني.... حبيبةَ عمري الجديدِ...الجديدِ
وتبسم في وجنتيك الأماني
كبسم الصباح بوجه الورودِ
سآتي إليك.. وفي خافقيَّ...الإبا والسنا
وفي راحتيكِ... ابتسام الوليد ِ
ثم ينتقل الى الام الحياة و وجع الزمان و سنين عمره الخمسين التي قضاها ثائرا ناصحا مكافحا من اجل بلده (اليمن) في قصيدة متوجعة و جميلة اسمها :
جرح الزمان
خمسون عاماً في خطى التحرير،،،، وفي دروب المجد والتنوير
خمسون عاماً والكفاح تقوده ،،،، أرواحنا بالحب والتقدير
خمسون عاماً والحكايات هنا ،،،، يمن الشتات ولوعة التكفير
مرت على وجع الرحيل جراحنا ،،،، أملأ يتوق إلى سنا التغيير
مرت على كل النضالات التي ،،،، مرت حلاوتها بكل ضمير
خمسون عاماً يا حشاشات الإبا ،،،،، يا صرخة الميلاد والتهجير
يا نور أنغام الشباب ونارها ،،،، يا ستر آثامي وموت شعوري
خمسون عاماً في جراحك موطني ،،،، صفراً غدت بالعد والتصفير
ماذا يكون الجرح في وطن به ،،،، جرح الزمان به بلا تخدير
مازال ينزف بالدماء و بالبكا ،،،، ولا ضماد لجرحه المغمور
خمسون عاماً في رحاب لم يزل ،،،، يرتد بالنكبات والتنكير
يعلوه جهل العابثين تسلطا ،،،،، بالوهم والتضليل والتدمير
خمسون عاماً ألف ويل إن غدت ،،،، وهما سرابا في قيام نشور
واختم بالتنويه في نهاية تقديمي للشاعر و لكل كاتب اوشاعر ان الصالون اعتاد في جلسته الرئيسية هذه -و مازال- ان يقدم المبدع شاعرا او ناثرا او كاتبا ، دونما التعرض لنقده تفصيلا ، و انما نقدمه سعداء به و نوفيه حقه من الاكرام و الضيافة مع اشارات و اضاءات نقدية متفرقة ، و نتركه للمختصين و الجمهور بما له و ماعليه ، ثم نعرض اعماله للنقد في حلقة منفردة لذلك و نعتمد في الجلسة على ارائكم و طروحاتكم المباشرة هنا في التعليقات سلبا او ايجابا ، حتى اننا لانتدخل مطلقا في تعديل أي شيء من النصوص لغة او بلاغة ، و انتقل الان الى زميلي الشاعر البارز مكي النزال ليقرأ له نصا أعجبه مع التقدير .
ادهم الشبيب
-----
وقد قرأ لشاعر الليلة الشاعر المبدع ( مكي النزال ) فقال عنه :
نتعرف من قصيدة غوثاه لرفعت غليسي على شاعر شفيف العبارة، سهل اللفظ، بارز الصورة، جليّ الطبع، لا تستوعب عمق شعره في القراءة الأولى وتظنه مجرد كلمات، لكن إن عدت له وتعمقت ستجد نهرًا دافقًا من العذوبة المنزهة عن التصنع.
يسرني أن يحل ضيفًا على الصالون الأدبي النقدي ليكون تحت مجهر ناقده ومؤسسه وطاقم مشرفيه ومحرريه ونقاده ومتذوقيه وجمهوره. تحية له ولليمن الذي نرجو أن يعود سعيدًا.
مكي النزال
وهذا نص قصيدته:
غوثاه.....
مازال وجدك في الفؤاد يسوقني = شوقاً يتيم الخطو نحو لقاكِ
مازال حضنك في الخيال يضمني = فأعيش فيه مواجعي وشذاكِ
لازالت الأرجاء منك تحوطني = والروح خالدة على ذكراك
وضميري المكلوم يجلد حاضري = إن لم أكن قد نلت نور رضاك
غوثاه ياغوثاه بعض تأمل = لفؤادي المسكون في ذكراك
غوثاه ياغوثاه لمح زيارة = في الغيب في الأحلام كي ألقاك
غوثاه ياغوثاه لا عشت الرضا = إلا ببسمك والخطى بخطاك
وافيت في الخمسين عمري إنما = قلبي يحن كما الرضيع الباكي
قلبي يئن حشاشة ولعاعة = ودموعه لا تستغيث سواك
ولمن أراد أن يتعرف على شاعرنا لهذه الليلة فهذه سيرته :
الشاعر رفعت غليسي
مكان المولد مديرية الخوخة محافظة الحديدة اليمن
الوظيفة مدرس لمادة اللغة العربية وحالياً رئيس قسم الخارطة المدرسية بمكتب التربية والتعليم بالخوخة
التحصيل العلمي بكالوريوس لغة عربية كلية التربية جامعة صنعاء 1995
من مواليد 1971
----
و إليكم هذا النص الصارخ المسمى ( جهاد الصمت ) و نتركه لذائقة الاخوة و الاخوات من الادباء و النقاد و الشعراء والمتذوقين من متابعي الصالون الكرام :
جهاد الصمت
ستمضي القوافل رغم النباحِ = ورغم الأنين ورغم الجراح
ستمضي القوافل يشدو حُداها = إباء الرجال ونور الكفاحِ
ستمضي القوافل ليسقط عنها =ِسقطُ المتاع وزيف الصباح
خطاها خطاها من الأمنيات = يوشى نداها بروحٍ وراح
تسيرعلى الصمت بالصمت نصرا = وللصاخبين ضجيج النواح
تسير وفي الليل همس وبدر = وفي الصبح شمس الرضا والفلاح
ستمضي القوافل سَفراً كراما = يعيشون حزن الردى كالمراح
ويبكون فقد النصير انتصارا = بصدق اليقين برب الصباح
يعيشون في موطني موطناً = له ألف سكنى بكل البطاح
ستمضي القوافل صمتا شغوفاً = بنصر سيخرس طول النباح
فسيرُ القوافل بالصمت نصراً = أجل وأعلى وأمضى سلاح
--------
أمسية و سهرة ممتعة
مع تحيات الصالون الادبي النقدي

Comments

Popular posts from this blog

الصالون الادبي النقدي -تحكيم السجال (3)

الصالون الادبي النقدي (15)

مداخلات الصالون الادبي النقدي (11)