الصالون الادبي النقدي (18)
بسم الله الرحمن الرحيم
الصالون الأدبي النقدي ( 18 )
تسهرون هذه الليلة وكما وعدناكم مع جلسة النقد الأدبي الرئيسية الأسبوعية...
ضيف اليوم الشاعر الكبير ( محمود فرحان المحمدي )
قدم له الناقد المتألق الأستاذ ( أدهم الشبيب ) فقال..
شاعرنا اليوم هوصاحب المبادرات الادبية و السباق في كل مشهد ثقافي و هو المضيف الدائم للادب و النقد في حلقاتهما و لذا فاذ نستضيفه فانما نرد له بعضا مما يستحق ، هذا على صعيد السيرة التي ارجو ان يتولى امرها الاخرون فهم اقرب اليه و اجدر مني ، و لكني و في حدود تخصصي كتقديم ادبي له واضاءات نقدية على شعره ،
سافتتح ملفتا الى ان هذا الشاعر ورد اسمه في مقالي القديم (لن تكون شاعرا) حيث تضمن نموذجا من شعره كمثال في سياق الحديث عن الشعر الحقيقي .
فمحمود فرحان الشاعر و لخبرته و طول مراسه و ثقافته العامة في جوانب عديدة و اطلاعه العميق على شعر الاولين ودراسته التخصصية في بعض علوم العربية و الشرع ، كل ذلك زوده برصانة في العبارة و جزالة في اللفظ و نفاذ للغاية فيما يقرض من شعر ، و الحقيقة ان نصوصه التي بين ايدينا هي نماذج محدودة لاتغطي مساحة قصائده العالية و التي تجدها في طيات دواوينه المطبوعة ،
يقول في قصيدته (يتحدثون) و التي سترى انها مزيج من معاني الحدائة و جمل الاصالة :
يتَحدّثون عن الفراقِ وأصمتُ ،،،، وبجانبي واهٍ يثورُ ويخفتُ
لم تعد للحديث فائدة ، و لكن الطباق في (يثور و يخفت) يعبر عما يكابد مما صمت عنه ، و (بجانبي واه) هو مااشرت اليه من تميز اللفظ عنده و سباكته ، و من خصائص شعره وحدة الموضوع في القصيدة فلن تحس بأي قفزات غير مريحة لمزاج من يقرأه :
وأُديرُ عيني كي أراكِ، وللنوى ،،،، سيفٌ على كلّ الأحبَّةِ مُصلتُ
انظر الى (سيف النوى المصلت) التعابير المتراصة
سئمت تباريحَ الغيابِ قصائدي ،،،، والحرفُ مما يعتريهِ مُشتَّتُ
و (الحرف المشتت)
يتحدّثونَ وكلُّ بوحٍ صغتُهُ ،،،، لجمال ذكركِ كلَّ حينٍ ينصتُ
يا مَن بها الأيامُ تسطعُ شمسُها ،،،، ولها المفارقُ بالتذكّرِ يُخبتُ
و (المفارق المخبت)
اللهَ في صبٍّ تعاظمَ حزنُهُ ،،،،وعيونُهُ فرط الجوى تتلفّتُ
هذا ماعنيته في رصدي لفخامة العبارة عند هذا الشاعر، و هذا ما اخبرتك عنه حول وحدة الموضوع .
و كما تعلمون عن جلسة الصالون الرئيسة فانها تقدم و تضيء و انا احاول هنا ان اعطي الفرصة الاكبر لكم لقراءة شعر الشاعر اكثر من قراءة نقدي ، و انما سنفرد لقصائده نقدا تخصصيا كما اعتدنا مع الشعراء المهمين و هو احدهم دون شك ، و قد كلفت اخي و زميلي الشاعر و الناقد الرصين الدكتور وليد محمد رشيد ان يتناول نصا نبويا له وكذلك أخي الصحافي الشاعر الأصيل حارث الأزدي ليتناول نصا آخر مشكورين سيعرض لكم في نفس جلستنا هذه بإذن الله .
و هنا انتقل بك الى نص اخر لعلني اريك جانبا آخر من ميزات شاعرنا من بحر آخر بقافية اخرى لغرض آخر ، ففي قصيدة يشبه مطلعها مطالع الاولين من الشعراء المقدمين :
هالَك الخطبُ أم عراك الذهولُ ،، أم تغشّاك في الصباح الرحيلُ
جمل شعرية فارهة و استهلال باذخ ، و وزن مسيطر على الغرض محتويه ، و قافية راسخة ، ينسجم بشكل مغرق في النجاح مع الاستفهام المجازي الاستنكاري مرة التعجبي مرة اخرى في فن بياني متمكن ليصنع بيتا يلفتك و يجر شعورك نحو كلماته و غايته التي ختمها في تبيان خلاصة السبب و هو صدمة الرحيل دون توقع
كنت ألقاك باسمًا تتهادى ،،،، والأماني في راحتيك تجولُ
ما لك اليوم واجمًا، تتشظى ،،،، ودموعُ العيون منك تسيلُ
انظر الى المقابلة البديعية غير المتكلفة التي تصل الوجدان باسترخاء بين (باسما تتهادى و واجما تتشظى) من جهة و بين (اماني تجول و دموع تسيل ) من جهة اخرى .حيث فرق بين كل منهما فارق الزمن (كنت و اليوم). هذا مانسميه الصياغة الشعرية البنيوية العالية لجوانب القصيدة .
أبَكتكَ الديارُ أم أنت شوقًا ،،،، تحتويها وتحتويك الطلولُ
إنما هذه الديار ملاذٌ ،،،، آمنٌ وردُ مائِه سلسبيلُ
المطلع الطللي العربي التقليدي الرصين مستمر ، و انا اذ اشير الى هذه المحطات فانما التقطت لكم ميزات دائمة في ملكة هذا الشاعر لايكاد يحيد عنها او يضعف او يرتبك ، و هذا ديدن شعراء الطبقات الاولى و اجتهادهم للمحافظة على ما هم فيه ، و ليس الغرض نقد نص معين فقط او القصيدة نفسها ، و التي يقول من جميل ابياتها :
لستُ ممّن يُبدّلُ الدارَ قلبي ،،،، لا ولا عن هواه يومًا أحولُ
مغرمًا في رباه عشتُ صغيرًا ،،،، تستبيني فيما تقول الكهولُ
كنتُ نشوان بالدَّلال سعيدًا ،،،، بين أنسٍ وبهجةٍ لا تزولُ
بين صحبٍ إذا انتدبتُ خليلا ،،،،في الرزايا يُمازُ منهم خليلُ
نشربُ الرّاحَ بلسمًا من فراتٍ ،،،،حوله البشرُ، والهواءُ العليلُ
بادية مقدرة الشاعر على قياد القصيدة و الانتقال بها من الشكوى والطلل الى الفخر ثم النسيب المؤثر ، ثم و دون الاخلال بالوحدة العضوية و لا التضافر الاسلوبي المتكامل ينتقل الى الوصف :
المساءاتُ والنجومُ وبدرٌ ،،،،كل لونٍ يشعُّ منها جميلُ
والبيوتاتُ بالقناديل تزهو ،،،، كلُّ ركنٍ في ربعها مأهولُ
والصباحاتُ وجهها أرحبيٌّ ،،،، أيكةٌ حلوةٌ وظلٌّ ظليلُ
وبيوتّ لله يسمو صداها ،،،، إن تعالى من ركنها التنزيلُ
والندامى مهذّبٌ ومُحبٌّ ،،،، لهف نفسي وقد علتهم شمولُ
من مثل هذه الامكانات العالية نأخذ نصوصنا الرصينة و نحكم بعدها على شعرائها ان عرف عنهم المداومة على مستواها العالي مهما اختلفت البحور و القوافي و الاغراض فيصنفهم النقد بعد ذلك في مصاف الكبار ، و اليك غرضا آخر من نفس القصيدة يختم به آملا :
يتغنّون في الحياة بذكري ،،،، وأنا حيثما تغنّوا أميلُ
أكتب الشعرَ حالمًا بفضاءٍ ،،،، غاب عن روضه الخميل جهولُ
لن تراني وقد ذكرت جمالا ،،،، في ذهول، وصف الجمالِ يطولُ
سوف أبني من الشّعورِ قصورًا ،،،، حالماتٍ يغيب منها الرّحيلُ
اما اذا ناجى الديار او حن او تشوق فانه يتخذ وزنا آخر و قافية اخرى و اسلوب عرض آخر ،و مثال ذلك قوله عندما بشر بالعودة الى دياره التي هجر منها قسرا في قصيدة اسماها : (أتيتُكِ مستهاما )
أتيتُك باشتياقٍ مستهاما ،،،، أتيتُكِ كي أُطيلَ بكِ المقاما
أتيتُكِ ضحكةً في عين طفلٍ ،،،، ونشوةَ عابدٍ صلى وصاما
التصوير البليغ و الملامس للشعورفي ( ضحكة الطفل و نشوة العابد ) و الى الحنين :
يُهدهدُني الحنينُ إلى فراتٍ ،،،، رشفتُ زلالَه عامًا فعاما
إلى لقيا الأحبة تاق قلبي ،،،، وقد حفظوا بغربتيَ الذّماما
نوارسُ بهجةٍ، وطيور حبٍّ ،،،، وأجمل مَن أتيه بهم ندامى
و ببساطة نافذة الى القلب ايضا ينهي ابياته :
إلى فلوجة الأخيارِ ماضٍ ،،،، أبلّ بمائها العذبِ الأواما
وأحفظ ودّها بجميل شعرٍ ،،،، وأهديها التحيّةَ والسّلاما
و نفس المدينة –ملاعب طفولته- يختلف جرس قصيده عندما يمتدحها فخرا عما قبل قليل حيث بكاها حنينا ، فلكل غرض عند مرموقي الشعراء اسلوب و نفس و لون ، ولكن جزالة اللفظ و تماسك العبارات و وضوح المقاصد و وصول المرامي يظل حاضرا عندهم ، فاسمع الى قوله و اصفا مادحا و مسميا الجنبات باسمائها حتى ان كل ساكن و مولود في تلك المدينة يشعر انه من كتب هذه القصيدة و ليس محمود فرحان ، ومنها وصف الجسر (الحديدي الاخضر) من معالمها الشهيرة ، و الجامع الكبير القديم الذي درس فيه الشيخ الشهير ايقونة المدينة الدينية (عبد العزيز السامرائي) الذي سيأتي ذكر اسمه في القصيدة بتمكن وببراعة ، تابع هذا لتعرف :
بلدةٌ طيّبةٌ أبكت عداها ،،،، وتعالى صرحُها عزًّا وجاها
خطّت الأيامُ في أحرفِها ،،،، قلعةً نالت بعز مبتغاها
هذه فلوجةُ اللهِ التي ،،،،أينعت في كلّ خطبٍ مقلتاها
كلّ مَنْ غادرها في غفلةٍ ،،،،ظلّ يشكو حبّها حتى أتاها
جسرُها الأخضرُ يزهو شامخًا ،،،، فوق نهر يتهادى برؤاها
وعلى شاطئها الزاكي ترى ،،،، جامعًا يحلو قديمًا بسماها
كان يسمو العلمُ في مدرسةٍ ،،،، حوله (عبدٌ عزيزٌ) قد بناها
هذه فلوجةُ الخير التي ،،،، لستُ أهوى بلدةً أخرى سواها
اذن هذا هو محمود فرحان الشاعر المحب للعلم المؤمن الناشط الثقافي و الاصيل (لست امدحه بل اذكر لكم افصاحه عن نفسه في كل شعره بوضوح بارز ) فهو يروي عن نفسه و ليس بحاجة لراوية و انما نحن نكتب عنه مايرويه فقط :
أروي حكاياتي وغيري يكتبُ ،،،، وبكل ما قد سطروا أتعجبُ
أروي لهم عين الحقيقة جاهدًا ،،،، أن يعرفوا ذا الصدقِ ممّن يكذبُ
هذا مما قاله عن وصف نفسه و سيستطرد بوحا لآلام امته و كيف صار يتجرأ عليها من وصفهم كما سترى :
لكنني وبرغم كل صراحتي ،،،، أجد الذي عن كلّ صدقٍ يهربُ
أروي حكاياتِ الشموخِ لأمةٍ،،،، كانت شموسُ جمالها لا تغربُ
وبعكس ما أروي يخطّ يراعُهم ،،،، وبما يخطّ يراعُهم أتعذّبُ
تعبت من النفر العقوق محابري ،،،،والقلب من ألم الحوادثِ متعبُ
لي أمة كانت منارَ هدايةٍ ،،،، ولّى برونقها البهيّ الغيهبُ
واليوم يلمزها الحقودُ بفرية ،،،، وينال منها خاسئًا متذبذبُ
أسفي على ماضٍ تولّى شامخًا ،،،يلهو به هذا الجهولُ ويلعبُ
هذا مايسعه المقام و لايسعه المقال عن الشاعر محمود فرحان من قلمي ، و ساترك المنبر لزملائي النقاد مع تناول نصين من نصوصه الرصينة و هم اهل لكل مهمة ادبية .
أدهم الشبيب
-------
وهذا رابط المقال القديم الشهير للأستاذ أدهم الشبيب ( لن تكون شاعرا ) الذي نوه عنه في تقديمه وذكر فيه أسم الشاعر محمود فرحان كشاهد ضمن مجموعة شعراء..
قرأ له الناقد الكبير الدكتور ( وليد محمد رشيد ) وأشاد به
حيث تناول للشاعر نصا نبويا .... (يا رسول الهدى ) فقال:
الشاعر محمود فرحان الحمادي
أينعت في ربيعه الصحراء... وتهادت شوقاً له الفقراء
ملكة شعرية فذة، وإحساس مرهف، وقدرة على رسم صور تمَّ تشكيلها من معاني التضاد، قد يستغرب البعض من الصور المقلوبة، إذ من الطبيعي أن الربيع هو الذي أينع في الصحراء، لأنها هي مهده وأمه التي يأوي إلى ربوعها فترعاه، ولكن ليس ذلك كذلك، فالربيع الذي تتبعه شاعرنا أوسع من الصحراء ومن كل الصحارى، وكأني به يغترف من قوله تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ولذا نجد الصحراء مما أينع مع ما أينع ضمن ربيعه صلى الله عليه وسلم، فقد استطاع الشاعر في هذا البيت أن يجمع شتات ما تفرق لدى الشعراء في كثير من قصائدهم في بيت شعري واحد، وهذا لعمري قدرة فائقة وخيال واسع ذهب بذهن المتلقي بعيداً في ملاحقة الصور، هذه الصور التي فرضها علينا الشاعر تؤول إلى مصدر إيماني عقدي خارج التشكيل الزماني والمكاني، ولا أقصد به صفات الإيقاع الصوتي ولا رسم الصور المتخيلة، وإنما ما انتاب المبدع من شعور أطلق له مساحات التصور.
أقول: هذا موقف لا يسمح باستقصاء أبعاد النص ومرامي الشاعر، غير أننا نأمل أن تكون لنا وقفة أخرى مع هذه القصيدة في غير هذا الموقف، وصفوة القول: أن من نال شرف مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، لا جرم أنه ذو حظٍ عظيمٍ.
فهنيئاً لنا بك شاعرنا الكبير: محمود فرحان حمادي
وليد محمد رشيد
...........
وهذه قصيدته ( يا رسول الهدى )
أينعت في ربيعه الصحراءُ = وتهادت شوقًا له الفقراءُ
خصّه اللهُ بالرسالة لما = تاه بالبشر والجلالِ حراءُ
وتهاوت إلى الحضيض بذلٍ = صخرةٌ من طقوسهم صمّاءُ
أشرقت في سماء مكة شمسٌ = ما احتوت نورَها المضيء سماءُ
وأفاقت على البشير رؤوسٌ = طافحٌ في نفوسها الكبرياءُ
أسفر الصبحُ عن نبي رحيمٍ = سلّمت أمرَها له الرّحماءُ
وتنادى الأصحابُ من كلّ فجٍّ = لحياةٍ بها يطيب الإخاءُ
شاهداها ربٌّ عظيمٌ جليلٌ = ونبيٌّ به الليالي تُضاءُ
أيُّ نورٍ عمَّ البسيطة هذا = أدبرت من سنائه الظلماءُ
سادةُ القومِ والعبيدُ سواءٌ = إن تعالى نحو العدوِّ الحداءُ
أفلح المؤمنون في خير دينٍ = غضّت الطّرفَ عنده العظماءُ
يا رسولَ الهدى ربيعُك عيدٌ = للبرايا ورحمة وعطاءُ
نكتب الشعرَ، والمديحُ هوانا = والقوافي في مدحكم غنّاءُ
لا تلمني إذا بكيتُ ابتهاجًا = فسروري إذا انتشيتُ بكاءُ
------
.....و تناول شعره الشاعر والصحافي الكبير الاستاذ
( حارث الازدي ) بدراسة نقدية .....حيث كتب:
لن تكون وحيدا حين تقرأ هذا النص الذي بين أيدينا فهو حشد صوري متناغم لفظا ومعنى بتناسق بديع يجعلك تستمتع بالنص بأبعاده الثلاثة.
نصٌ فخم لشاعر كبير محمود فرحان حمادي متمكن من لغته وأدواته يرسم بفرشاة كلماته صورة سريالية واضحة التفاصيل تكاد تنطق كل كلمة وهي جزء عما يراد بكلية النص الموغل بالوحدة والاغتراب فمن العنوان تدخل باحة النص المهيب تحيط بك كلمات اختارها الشاعر بعناية أضرب مثالا من بعضها، أمواج تستبق، عند الفجر تستبق، وحشة الأحلام، أوزار الأرق، مسامرة القلق، هول الغرق، وجهة ضائعة، وطرق تتراقص،،، لكنه مع هذا المشهد الأسطوري المنبعث من إطلالة القصيدة واستهلالها لا ينسى مناداة الألق بصورة سلسلة منسكبة كماء رقراق وسط وحشة الفراق مستفسرا باندهاش القارئ المتابع للقصيدة متى يبث هذا الألق شعرا ممتعا يبعث الأمل؟ اقرؤوا إن شئتم مطلع القصيدة
وحدي وأمواجُ هذا الليل تستبقُ =كأنها عند خيط الفجر تفترقُ
أنام في وحشة الأحلامِ يصحبُني =فيما أعانيه من أوزاره الأرقُ
أسامر القلقَ المشبوبَ في سفن =أزرى بطلعتها من هوله الغرقُ
وأستحثّ خطأ ليلي إلى جهة=ضاعت هناك وحولي ترقص الطرق
يا أيها الألق المسكوب في رئتي=متى أبثك شعرًا أيها الألقُ
********
يا لروعة بيانه حين يبدع نصا مثل هذا الذي بين يديك عزيزي القارئ وحين يلوم الموت الذي نكص عن خنق حروفه فأضحى الوارث الوحيد لهذا الضياع المسروقة ألحانه...
دعني ألامس شيئا من أحاسيسك أيها القارئ لهذا النص العجيب المملوء فخامة الغني بالصور فألفت نظرك الكريم إلى مفردات وادي التيه، ثورة الشك، وهي مفردات تمهيدية لحدث جلل تؤكده أبيات الدخول إلى عمق النص وقطب رحاه حين يقول:
ترجّل النجمُ من علياء مملكة= تسمّرت حول أسوار لها الحدقُ
ليبدأ رحلة أخرى تعريفية بمن فقد ومدى حزنه على فراقه
مضى وحيدًا وعندي من خمائله=مباهجٌ يتلظى فوقها العبقُ
نعم مضى وحيدا ولكن بقيت خمائله بهيجة يتحرق العبق على ذكراها.
وتمضي القصيدة حتى نهايتها بجو مفعم بالود والحزن على الفقد بإبداع يجعل المتلقي الماصل إلى نهايتها بنفس واحد.
القصيدة نَفَسٌ عالٍ بتناغم لفظ وجميل معنى وفروسية فكرة ...ما أحوجنا لهذه القصائد الإخوانية في هذا الزمن المادي الذي بات من النادر وجود الأصدقاء الإخوة...
تحيتي واحترامي الكبير للشاعر الكبير محمود فرحان وأترككم تستمتعون بهذا النص الجميل النبيل كما استمتعت به
حارث الأزدي
مضى وحيدًا
وحدي وأمواجُ هذا الليل تستبقُ =كأنها عند خيط الفجر تفترقُ
أنام في وحشة الأحلامِ يصحبُني =فيما أعانيه من أوزاره الأرقُ
أسامر القلقَ المشبوبَ في سفن =أزرى بطلعتها من هوله الغرقُ
وأستحثّ خطأ ليلي إلى جهة=ضاعت هناك وحولي ترقص الطرق
يا أيها الألق المسكوب في رئتي=متى أبثك شعرًا أيها الألقُ
ترجّل النجمُ من علياء مملكة= تسمّرت حول أسوار لها الحدقُ
ليبدأ رحلة أخرى تعريفية بمن فقد ومدى حزنه على فراقه
مضى وحيدًا وعندي من خمائله=مباهجٌ يتلظى فوقها العبقُ
حروفُ أنغامِه نامت بلا مقلٍ=وظلّ في راحتيه الحبّ يأتلقُ
في كل يومٍ على قنديل غربته =فراشةُ الحلمِ المنسيّ تحترقُ
يدور في الأفق المهجورِ لي حلمٌ =لو حرّكته ليالي الوصل ينغلقُ
ويا صديق الرؤى ما طاف لي شجنٌ=إلا تردد في تصويره الورقُ
أدور غيمًا على أشلاء ضحكتنا =ومن أريجك حلو القول أسترقُ
وكلما اليأس أضناني، وأقعدني=فمن حروفك للعلياء أنطلقُ
لملمتُ مرثيّتي وحدي على قلق=فهل سيورق في مرثيّتي القلقُ
وهل ستجمعنا الألحان في لغة=أم أننا بلظى الألحان نفترقُ
----
ولمن أراد أن يتعرف على شاعرنا لهذه الليلة فهذه سيرته أوردها لنا الشاعر المترجم الاستاذ ( عماد اليونس ) .. حيث شارك بالترحيب بصديقه الشاعر و عرض سيرته الشخصية حيث هو اقربنا اليه فقال :
ضيفنا لهذه الجلسة الشاعر الكبير َ
محمود فرحان حمادي المحمدي من مواليد مدينة الفلوجه محافظة الأنبار حيث اكمل فيها دراسته الأولية قبل أن يسافر إلى الخارج لدراسة الهندسة، حيث أكملها وعاد إلى الوطن ليعمل تدريسيا في معهد الأنبار التقني، ثم مديرا لاعلام جامعة الفلوجه، ولازال. لشاعر جلستنا ومنذ ثلاثة عقود دواوين و صولات وجولات في كل مهرجانات المحافظة وبقية محافظات العراق فنال وعن استحقاق عضوية اتحاد أدباء وكتاب العراق ومن ثم رئيس اتحاد ادباء الأنبار ولازال رحبوا معي بالشاعر محمود فرحان آملين لكم قضاء سهرة ممتعة بين ثنايا نصوصه وابداعه...
الشاعرعماد اليونس
-----
مع تحيات وتمنيات أسرة الصالون الأدبي النقدي بقضاء سهرة ممتعة مع شاعرنا الرائع (محمود فرحان المحمدي ) الذي نسأل الله تعالى له التوفيق والنجاح والمزيد من التألق..
وإلى لقاء متجدد مع مبدع آخر الأسبوع القادم إن شاء الله.
الصالون الادبي النقدي
الجلسة الاسبوعية الرئيسية
4-4-2021


Comments
Post a Comment