الصالون الادبي النقدي -النافذة النقدية لنصوص المبدعين (1)
Moderator
النافذة النقدية لنصوص المبدعين (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الاخوة و الاخوات من متابعي الصالون الادبي النقدي الكرام ، نعرض عليكم اليوم و كما وعدناكم وهو المعمول به في برنامجنا الاسبوعي ليوم الثلاثاء : النصوص التي تم اختيارها من قبل لجاننا النقدية و قد انتدب لتناولها الاساتذة المرفقة أسماؤهم وقراءاتهم النقدية مع كل نص...
نرجو لكم الفائدة وهي الاهم مع المتعة بما جادت به قرائح المبدعين و ايدي النقاد المختصين...
البداية مع ( دموع الخريف) للشاعر العراقي صادق البدراني
وقد تناول هذا النص الناقد السوري الدكتور وليد الجوخدار Rasheed M Waleed وإليكم النص وقراءته النقدية..
- دموعُ الخريف -
.
حَدَّ انسكـــابِ الفَجْرِ، لَيْلِيَ قَاحِــــلُ
وَجِـمٌ ! وَ ساقيةُ الظُّلَّامِ تُجَـــادِلُ
قِيثَـــارَةٌ لِلصَّبْرِ؛ يُرْجِئُنِـــــي الأَسَى
وَ مَخَالِبُ العَزْفِ الشّجِـــيِ تُمَاطِلُ
يَقْتَادُنِي عَطَشِـــي، إِلَيَّ ؛ مَتَاهَــــةً
أَجْتَــرُّ أَعْوَامَ النَّـــدَى ، وَأُسَائِــــلُ
-نِيسَانُ أَيْنَ؟ وَكَمْ سَقَتْهُ سَحَائِبِــي -
دَمْعَ الخَرِيفِ.. فَهَلْ تَطَرُّ سنابـــل
و هَزَزْتُ جِذْعَ الصَّمْتِ أَقْلَقَنِي الصَّدَى
فَتَسَاقَطَتْ حَوْلِي رُبَىً ، وَ خمائلُ
مَا اغرورقـتْ بِالذِّكْرَيَـــاتِ وَسَائِــدِي
أَلَا وَضَجَّــــتْ فِــي كــرايَ ؛ زَلَازِلُ
عبثـــاً أريــقُ النــــورَ مِلْءَ مفــازتي
فسَوادُها يَبَسٌ .. و ودْقيَ عــاذلُ
أمْســـي توقّــــدَ للجمــالِ ؛ إجابــــةً
عجبي ! و يوم الأحجياتِ مسائـلُ
فِي كَعْكَـــةِ العِيدِ القَدِيـمِ بَشَاشَـــةٌ -
وَ سِوَارِ مِدْفــــأةِ الوِئَـامِ ؛ مُغـــازِلُ
وَ مَدَى الزَّوَالِ تَطُوفُ أَلْفُ صحيفـــةٍ
لِلإنْعِتَاقِ .. وَ رحْبُ سِفْـرِيَ حَافِلُ
مَاذَا جَــرى لِلشَّمْسِ ؟ أَيْنَ ظِلَالُــهَا -
وَ علامَ تَبْـــزُغُ ؟! و النهارُ مُحايــلُ
حتّــامَ تقذِفُنــي السنــونُ ؛ وضاعةً -
و شَتاتُ أمْتعــةِ الكهولـةِ ؛ هائــلُ
مَالِــي أَضَيِّعَنِي تِبَاعًـــا ؟! وَالخُطَـى
مبثـــوثةٌ !! وَالذِّكْرَيَاتُ ؛ سَلَاسِـلُ
و إلامَ أرْتَسِـــمُ السّـعادةَ ؛ مُورِقـــاً
وَ مدى زوايا النّفْسِ يجثُمُ قاحِلُ
مَالِـــي أُعِيرُ الحَالِمِيـــنَ ، توسّـــناً !
لِتُعَانِــــقَ الدَّرْبَ الطَّرِيــــــدَ مَنَازِلُ
وَ أَنَـا ، يُرَاوِدُنِي الرَّصِيــفُ مُمَاحِـكًـا
عَنْ جَانِبِيٌّ !! وَمَــا أَزَالُ أُحَــــاوِلُ
فَبِكُــلِّ عَيْــــنٍ قَدْ أُحَـدِّقُ ؛ شَـاعِـــرٌ
-يَهْجُو مواجـعَ مَا يَرَى ! وَمُنَاضِـــلٌ
أَغْرَى شِعَـــارَ أَلَحرْفِ مِـلْءَ سُكُوتِهِ
رَمْزًا ، كَأَنَّ الصّامِتيــــنَ ؛ عَنَــادِلُ
فَوَجَـــدْتُنِي آوِي إِلَـــى جَبَــلِ الرِّضَـا
لِيَحُـولَ بَيْنِي وَالقَصِيـــدَةِ ؛ حَائِلٌ
إذْ أنَّنِــي عَبَثًــا أُقَـــاوِمُنِــي !!
وَقْــدْ رَفَّـــتْ هداهيـــدُ اليَقِيـنِ تُقَاتِــلُ
بداية تتبعت التعقيبات التي تابعت القصيدة من النافذة التي أطل منها الشاعر، وبصرف النظر عن المديح والثناء الذي تفضل به الأساتذة بكرم أخلاقهم مع جدارة مبدع النص باستحقاق هذا الثناء، إلا أنني وجدت بعض المغالطات العلمية في بعض هذه التعليقات، وكوني معني بالقصيدة فلا بدَّ من أن أقوم بنقد النقد قبل تناول النص، حيث وقفت على تعليق ينسب القصيدة إلى بحرها وتكلم عن قافيتها:( وما تتشكل منه قافية هذه القصيدة وبحرها الكامل بقافية مطلقة مؤسسة بردف رويها حرف اللام الموصول بالواو الناتج عن الضم).
ومع ذلك فإني مدين لصاحب هذا التعليق كونه فتح لي بابا من النقد كنت ضربت عنه صفحا، فبعض ما جاء به صحيح، والبعض الآخر جانب الصواب وهو قوله:( قافية مؤسسة مردوفة ) نعم القافية مؤسسة، والتأسيس: هو حرف ألف يفصل بينه وبين الروي _ الذي هو اللام في القصيدة _ حرف صحيح يسمى الدخيل.
والردف: هو حرف مدٍّ متصل بالروي مباشرة _ في أي قصيدة _ لا يفصل بينهما فاصل، وهو قسمان الألف قسم بحدَّ ذاته، والواو والياء قسم لأنهما يتعاقبان في القصيدة عندما تكون القافية مردوفة، ولذا لا يجتمع التأسيس والردف في قافية واحدة في قصيدة، لأنه مخالف لعلم القافية وغير ممكن أصلاً حسب ما وضحنا في التعريف.
نعم لقد بنى الشاعر قافيته على التأسيس ( تجادل ) فالألف تأسيس والدال حرف دخيل واللام هي الروي وبعد ذلك حركة اللام، فإذا بدأ الشاعر قصيدته بقافية مؤسسة لا بدَّ أن يلتزم بها إلى نهاية القصيدة، والقافية المؤسسة من أروع الإيقاعات الموسيقية في القوافي، وهذا ما فعله الشاعر وأحسن اختيار التأسيس مع اللام المضمومة...
إن نصاً بهذا المستوى لهو جدير في فتح آفاق سوداوية نفس محملة بالهموم، وأروع الصور ما ، إن حدَّ انسكاب الفجر هو الجدار الفاصل بين نهاية المعانة واستلام خيط الأمل، وهذا الليل القاحل المتجهم القسمات ينوء بكلكله محاولاً حجب الانسكاب، وهذه المقابلة العجيبة من المعاني بين انسكاب الفجر وبين ساقية الظلام المجادلة، فالانسكاب والساقية يشتركان بخاصية الانصباب على الرغم من تناقض الأهداف، ذلك أن الساقية متمسكة بالجدل وليس بالحوار، والفرق كبير والهوة واسعة بينهما، إذ إن الحوار قائم على التفاهم لوجود عناصر مشتركة تفضي إلى حل، كما الحوار في سورة الكهف، وكذلك في سورة المجادلة: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } فالجدل بينها وبين الزوج الذي انقطعت معه أواصر التواصل، بينما الحوار مع النبي صلى الله عليه وسلم بحيث هناك نقاط مشتركة افضت إلى التفاهم، والجدل يفقد أواصر التلاقي بين المتجادلين،
{ قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } فهذا مآل ساقية الظلام المجادلة.
ثم قيثارة الصبر التي تزجي أسىً، هو معنى متشابك من جانب وبين الدفع والرفض من جانب آخر، فهل هذا الإزجاء هو حنين كعطف الظبية على خشفها في قول عدي بن الرقاع العاملي:
تزجي أغنُ كأنَّ إبرة روقه
....... قلمٌ أصابَ من الدَّواةِ مدادها
أم أنه دفع ورفض كقوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} فهي مدفوعة مرفوضة لرداءتها، فقد وقعت لفظة يزجيني من المعاني أي موقع! فهي تتأرجح أو تؤرجحه بين قيثارة الصبر الحنونة وبين مخالب العزف الشجي التي تماطل في الانفلات والانعتاق.
وهذه متاهة أخرى من زخم المعاني:
يَقْتَادُنِي عَطَشِـــي، إِلَيَّ ؛ مَتَاهَــــةً -
أَجْتَــرُّ أَعْوَامَ النَّـــدَى ، وَأُسَائِــــلُ -
- نِيسَانُ أَيْنَ؟ وَكَمْ سَقَتْهُ سَحَائِبِــي -
دَمْعَ الخَرِيفِ.. فَهَلْ تَطَرُّ سنابـــل
و هَزَزْتُ جِذْعَ الصَّمْتِ أَقْلَقَنِي الصَّدَى -
فَتَسَاقَطَتْ حَوْلِي رُبَىً ، وَ خمائلُ
مَا اغرورقـــتْ بِالذِّكْرَيَـــاتِ وَسَائِــدِي -
أَلَا وَضَجَّــــتْ فِــي كــرايَ ؛ زَلَازِلُ
عبثـــاً أريــــقُ النــــورَ مِلْءَ مفــازتي -
فسَوادُها يَبَسٌ .. و ودْقيَ عــاذلُ
أنا لست خجلاً إذا قلت أن الصادق البدراني قد أعياني نقداً في إدراك معاني صوره ومراميها، غير أن الحرمان الذي يطغى على هذه الأبيات قد غطّى مساحة واسعة في البحث عن منجى، وما العطش الذي يقتاده إلى اجترار أعوام سالفة من الندى، ما هو إلا ظمأ الروح إلى فكرة الخلاص، بدليل أن الصمت الذي هزَّ جذعه أتى بنتائج مرضية من تساقط الخمائل حوله.
وأعود فأقول إن كل بيت من هذه الواحة الشعرية يحتاج إلى أكثر من هذه العجالة، وأختم بمجموع التساؤلات التي يطرحها وكأنه سرٌّ لا يريد أن يطلع عليه أحد، فقد أتت هذه التساؤلات متلاحقة كهدير سيل عاطفي تغلي مراجله في نفسه مردداً سؤلا واحداً بأساليب متباينة لتهدئة الزخم النفسي بحيث تعاقبت على ذلك خمسة أبيات على التوالي:
مَاذَا جَــرى لِلشَّمْسِ ؟ أَيْنَ ظِلَالُــهَا -
وَ علامَ تَبْـــزُغُ ؟! و النهارُ مُحايــلُ
حتّــامَ تقذِفُنــي السنــونُ ؛ وضاعةً -
و شَتاتُ أمْتعــةِ الكهولـةِ ؛ هائــلُ
مَالِــي أَضَيِّعَنِي تِبَاعًـــا ؟! وَالخُطَـى -
مبثـــوثةٌ !! وَالذِّكْرَيَاتُ ؛ سَلَاسِـلُ
و إلامَ أرْتَسِـــمُ السّـعادةَ ؛ مُورِقـــــاً -
- وَ مدى زوايا النّفْسِ يجثُمُ قاحِلُ
مَالِــــي أُعِيرُ الحَالِمِيـــنَ ، توسّـــناً ! -
لِتُعَانِــــقَ الدَّرْبَ الطَّرِيــــــدَ مَنَازِل
وتأتي الإجابة عن الأسئلة الخمسة بخمسة أبيات تليها كانت نهاية المطاف لكل سؤال أعدَّ له جوابه في العقل الباطن:
وَ أَنَـــا ، يُرَاوِدُنِي الرَّصِيــفُ مُمَاحِـكًـا -
---------- عَنْ جَانِبِيٌّ !! وَمَــا أَزَالُ أُحَــــاوِلُ
فَبِكُــلِّ عَيْــــنٍ قَدْ أُحَـدِّقُ ؛ شَـاعِـــرٌ -
---------- يَهْجُو مواجـعَ مَا يَرَى ! وَمُنَاضِـــلٌ
- أَغْرَى شِعَـــارَ أَلَحرْفِ مِـلْءَ سُكُوتِهِ -
---------- رَمْزًا ، كَأَنَّ الصّامِتيــــنَ ؛ عَنَــادِلُ
فَوَجَـــدْتُنِي آوِي إِلَـــى جَبَــلِ الرِّضَـا -
---------- لِيَحُـولَ بَيْنِي وَالقَصِيـــدَةِ ؛ حَائِلٌ
إذْ أنَّنِــي عَبَثًــا أُقَـــاوِمُنِــي !! وَقْــدْ -
---------- رَفَّـــتْ هداهيـــدُ اليَقِيـنِ تُقَاتِــلُ
ومع هذا يحتاج النص إلى أكثر من قراءة لسبر أغواره والوقوف على مضامينه ومراميه.
د. وليد محمد رشيد
..............................................
والنص الثاني (آمنت بالحب) للشاعرة اليمنية انتصار حسن
وقد تناوله الناقد المصري الأستاذ أحمد شلبي
آمنت بالحب
قُلْ مَا تَشَاءُ فَقَدْ أخَذْتُ قَرَارِيْ
مِنْ بَيْنِهِمْ قَدْ كُنْتَ أنْتَ خَيَارِيْ
بِالْحُبِّ قَدْ آَمَنْتُ مُذْ وَشْوَشْتَنِي:
دُرْوِيشَتِي دُورِي بِوَسْطِ مَدَارِيْ
وَكَرِيشَةٍ قَدْ تُهْتُ بَيْنَ دَوَائِرٍ
وَالْبَوْحُ فَاضَ بِحَشْرَجَاتِ نُثَارِي
أَتُرَاكَ تَعْلَمُ يَا حَبِيبِي مَا جَرَى
مُذْ لَامَسَتْ أَيْدِي الْهَوَى أوْتَارِي؟
حَطَّتْ عَلَى يُمْنَايَ أَدْفَأُ قُبْلَةٍ
وَضَمَمْتَنِي فَغَدَتْ ضُلُوعُكَ دَارِي
دَعْنِي أَدُورُ أَدُورُ كَيْمَا أَنْتَشِي
أَنَا فِي حُضُورِكَ أسْتَطِيبُ دُوَارِي
يَا سَيِّدِي دَعْنِي أُوَاصِلُ رَقْصَتِي
فَعَلَى يَدَيْكَ تَبِسَّمَتْ أَقْدَارِيْ؟!
مَا كُنْتُ أعْرِفُ وِجْهَتِي فِيمَا مَضَى
دَعْنِي أُحَدِّدُ مَوْقِفِي وَمَسَارِي
قَدْ كِدْتُ أَغْرَقُ وَسْطَ بَحْرٍ مُعْتِمٍ
حَتَّى أَتَيْتَ فَكُنْتَ أَنْتَ فَنَارِيْ
مَوْلَايَ أَنْهِ الْيَومَ وِحْشَةَ ظُلْمَتَي
وَأَضِئْ بِأُفْقِي أَجْمَلَ الْأَقْمَارِ
...................
(الحب إيمانًا)
................
قراءة في نص آمنت بالحب للشاعرة اليمنية انتصار حسن
بقلم/ أحمد شلبي
..................
وأنت تقرأ نصًّا كهذا (آمنت بالحب) للشاعرة اليمنية انتصار حسن, تجد نفسك أمام مجموعة من الأسئلة يتولد بعضها من بعض حول:
ما مفهوم الحب؟ .. كيف تعبر عنه المرأة العربية؟ هل الشواعر العربيات استطعن أن يثبتن مكانة لهن في خريطة الشعر؟ أين تقف انتصار حسن من هذا الإبداع الأنثوي؟ .. وغيرها من التساؤلات التي يمكن أن تتداعى أثناء تناول مثل هذا النص ..
لم أشأ أن أطَّلِع على سيرة شاعرتنا, وقلت: أتعامل مع النص بأسلوبية (رولان بارت) التي لا أؤمن بها تمامًا, ولكنني قلت: هو اختبار للنفس وللقدرات النقدية, والحاسة الذائقية بإمكانية الوقوف على عالم شعري من خلال نص واحد من عشرة أبيات .. إذن فلْأحاول ..
مفهوم الحب أفاض فيه علماء اللغة والفلاسفة وعلماء النفس واضعين له تعريفات تحاول الإحاطة به – غير ملتفتين إلى الخصوصية والتفرد بين كل حالة حب وأخرى – ولذا نجد أن الشعراء والمتصوفة كانوا أقدر على إيصال المفهوم بأحاسيسهم ومشاعرهم, لأنهم - كما يقول "ييتس" - الأقدر على نقل تجاربهم من حقولهم إلى حقول الآخرين دون أن تموت في الطريق .. فإن حاول ذلك من ليس بشاعر فلن يستطيع, ولذا نجد الحلاج لا يعبر عن حالة حبه بالتعبير عن علاقته بـ (آخر) .. بل عن ذوبان وحلول من خلال التجربة لا الوصف والتعريف .. يقول:
عجبتُ منك ومنـّـي ... يا مُنـْيـَةَ المُتـَمَنّـِي
أدنيتـَني منك حتـَّـى ... ظننتُ أنـَّك أنـّـِـي
وغبتُ في الوجدِ حتـَّى ... أفنيتَنـَي بك عنـّــِي
أو قول ابن الفارض:
ولمَّا انقضى صحوي تقاضيتُ وصلَها
ولمْ يغْشَني في بسْطِها قبضُ خَشْيتي
وأبْثَثْتُها ما بي .. ولم يكُ حاضِري
رقيبٌ - لها - حاظٍ بخلوةِ جلوتي
وقُلْتُ - وحالي بالصّبابَة شاهدٌ -
ووجدي بها ماحيَّ .. والفقدُ مثبتي
هَبي - قبلَ يُفني الحُبُّ مِنّي - بقِيّةً
أراكِ بها .. لي نِظرَةُ المتَلَفّتِ
في حين أن إيليا أبا ماضي يرى الحب سلوكًا إنسانيًّا يصل بالإنسان إلى النفس وإلى الله:
إن نفسًا لم يشرقِ الحبُّ فيها ... هي نفسٌ لم تدرِ ما معناها
أنا بالحبّ قد وصلتُ إلى نفْـ . ...سي وبالحبِّ قد عرفتُ اللهَ
في حين نرى نزار قباني قد جعله مغامرة بين رجل وامرأة يحطمان فيها كل قيد:
الحب ليس روايةً شرقيةً
بختامها يتـــزوَّجُ الأبطالُ
لكنه الإبحار دون سفينةٍ
وشعورنا ان الوصول محالُ
هُوَ أن تَظَلَّ على الأصابع رِعْشَةٌ
وعلى الشفاهْ المطبقات سُؤالُ
هو جدول الأحزان في أعماقنا
تنمو كرومٌ حوله .. وغلالُ..
هُوَ هذه الأزماتُ تسحقُنا معًا ..
فنموتُ نحن .. وتزهرُ الآمالُ
إننا هنا أمام حالات للحب, وليست مفاهيم, وهو ما يمكن أن نصنِّف عليه شاعرتنا "انتصار حسن", في حالتها تلك ..
إنها شاعرة .. بنتٌ .. امرأة عربية .. تتسم بالذكاء – وهو ما يجيب عن أسئلتنا المطروحة في بداية القراءة – والذكاء يكمن في جعل حبها حالةً تتسع للتأويل:
أهو الحب العاطفي .. كما رأينا عند نزار .. أم هو الحب الإنساني كما رأينا عند إيليا ... أم يكون التجربة الصوفية كما رأينا عند الحلاج, وابن الفارض ..
إن المفردات, والتعبيرات بها ما يؤيد كل احتمال من الثلاث:
أليس في قولها:
أَتُرَاكَ تَعْلَمُ يَا حَبِيبِي مَا جَرَى
مُذْ لَامَسَتْ أَيْدِي الْهَوَى أوْتَارِي؟
حَطَّتْ عَلَى يُمْنَايَ أَدْفَأُ قُبْلَةٍ
وَضَمَمْتَنِي فَغَدَتْ ضُلُوعُكَ دَارِي
ما يأخذنا إلى الحب العاطفي, الذي لم تُخفِه حفصة بنت الحاج الأندلسية:
أَزوركَ أَم تـزور فـإنّ قلبي ... إِلى مـا تـشتهي أبداً يميلُ
فَــثَــغــري مـورد عـذب زلال ... وَفرع ذُؤابتي ظلٌّ ظليلُ
وأليس في قولها:
قَدْ كِدْتُ أَغْرَقُ وَسْطَ بَحْرٍ مُعْتِمٍ
حَتَّى أَتَيْتَ فَكُنْتَ أَنْتَ فَنَارِيْ
مَوْلَايَ أَنْهِ الْيَومَ وِحْشَةَ ظُلْمَتَي
وَأَضِئْ بِأُفْقِي أَجْمَلَ الْأَقْمَارِ
هذا الحس الإنساني للحب الذي ينير الطريق, ويمحو الظلمة عن قلوب البشر ..
وأليس في قولها:
بِالْحُبِّ قَدْ آَمَنْتُ مُذْ وَشْوَشْتَنِي:
دُرْوِيشَتِي دُورِي بِوَسْطِ مَدَارِيْ
وَكَرِيشَةٍ قَدْ تُهْتُ بَيْنَ دَوَائِرٍ
وَالْبَوْحُ فَاضَ بِحَشْرَجَاتِ نُثَارِي
ما نشعره عند الحلاج وابن الفارض من عشق صوفي, فهي "درويشة" في حضرة المحبوب, وريشة تدور في مداره, والبوح يغلبها على الكتمان .. وهي تعيش حالة الحركة الجسدية الصوفية أثناء الحضرة:
دَعْنِي أَدُورُ أَدُورُ كَيْمَا أَنْتَشِي
أَنَا فِي حُضُورِكَ أسْتَطِيبُ دُوَارِي
وتظهر حالة العشق أيضًا في أساليب النداء: يَا سَيِّدِي - مولاي
وفكرة الدائرة التي عبرت عنها الشاعرة في أكثر من موضع في هذه الأبيات القصيرة, يؤكد حالة الانجذاب, وحالة عدم الانتهاء, فتقول:
(دُرْوِيشَتِي دُورِي بِوَسْطِ مَدَارِيْ)
(وَكَرِيشَةٍ قَدْ تُهْتُ بَيْنَ دَوَائِرٍ)
(دَعْنِي أَدُورُ أَدُورُ كَيْمَا أَنْتَشِي)
بل إن الدائرية تظهر مع البيت الأول:
قُلْ مَا تَشَاءُ فَقَدْ أخَذْتُ قَرَارِي
مِنْ بَيْنِهِمْ قَدْ كُنْتَ أنْتَ خَيَارِي
فهو بيت يصلح للبدء, ويصلح أيضًا للختام.
ولا يفوتني الإشادة بإيقاع الشاعرة بألفاظها الرقيقة, والمزاوجة بين الجمل الإنشائية والخبرية, والصور البسيطة المعبرة, وجمال التراكيب اللغوية, فلو نظرنا إلى البيت السابق الذي بدأ بالأمر الذي يحمل رقة الحب (قل ما تشاء) إلى الجملة الخبرية (فَقَدْ أخَذْتُ قَرَارِي) المؤكدة بـ"قد" وإضافة "قرار" إلى "ياء المتكلم", بما يوحي بحرية الاختيار, وعدم الجبر, ثم التقديم لشبه الجملة (مِنْ بَيْنِهِمْ) بإضافة الظرف "بين" إلى ضمير الغائبين "هم" – وكأن كل من سواه في حكم الغائب ولو كان حاضرًا, فحضرة المحبوب كالشمس تمحو النجوم- والتأخير الذي يكون مسك ختام الجملة والحالة (قَدْ كُنْتَ أنْتَ خَيَارِي) تلك الجملة التي أكدتها الشاعرة بـ "قد" وبـ (أنت) بعد التاء في "كنت" .. وهي الجملة التي قلت عنها تصلح بدءًا وختامًا.
إننا أمام شاعرة مقتدرة, تعد بالكثير من الشعر الجميل.
.
. الناقد أحمد شلبي
.....................................
اما النص الثالث والأخير وهو بعنوان ( في بغداد) للشاعر السوري عماد احمد الكبيسي فقد تناوب على تناول هذا النص كل َمن الأستاذ الناقد الجزائري جمال سرير عبدالله والاستاذ الناقد العراقي حارث الأزدي وفيما يلي النص والقراءتان..
= = = في بغداد = = =
أنَّى اتَّـجَهْـتُ أرى عينـيـكَ في أفُقي
فـأهـْتـدي بـهمـا نُـورًا على طُـرُقـي
أودَعْـتُ قلبيَ في بـغـدادَ مُـعْـتَـنقـًا
شمـوخَ حـرفٍ على الأزمانِ مُـؤتَـلقِ
فـكيـفَ أحيـا وقـلبي لـسْتُ أمـلكُـهُ
وهـلْ يُـحـلِّقُ طـيْـرٌ فـي سما الـقَـلَقِ
اسْتلْهِمُ الشَّعـرَ من ذكـرى تُؤرِّقُني
وأسْكُبُ الـوصْلَ مصلوبًا على الـوَرَقِ
فَلْيَغْـرَقِ البَـحْرُ في عينيكَ مُبتسمًا
فكمْ تشهَّى فـؤادي نـعْـمَةَ الـغَـرَقِ
في كلِّ يومِ طيورُ الشَّوقِ ترحلُ بي
فـيا قـوافلَ أشـواقِ الهـوى انطلقي
يامن جعلت لوجْـداني وفـوحِ دَمـي
نبضا يفسر عشْقَ الـزَّهْـرِ للـعَبَـقِ
فكُنْ بأهْدابِ شِعري كُـحْلَ قـافيتي
وافردْ جَناحيْكَ فوق السَّطـرِ بـالألَـقِ
تـَرَكْتُ فـوقَ شـفـاهِ النَّخْلِ مَوعـدَنا
مُضْنىً وثَـغْرُ النَّوى يـقتاتُ من أرَقي
إنْ جـئتُ أكـتبُ ما أخْـفـيـهِ من وَلَـهٍ
أراكَ تـَكْـتُـبُـنــي فـي آخِــر الـرَّمَــقِ
فـأحْـضـنُ الـشِّعْــرَ مُـلتـاعـًا أقَـبِّـلُـهُ
يُفيقُ من سَكْـرَتـي صَـبَّــًا ولم أفُـقِ
إنِّي نقشْتُكَ فوقَ الشَّمْسِ مَلحَمَـةً
فلا يَـرُعْكَ نـزيـفُ القلبِ في الشَّفَقِ
_____________________
حيث كانت قراءة الأستاذ الناقد الجزائري جمال سرير عبد الله وكما يلي.
بين أيدينا قصيدة جميلة...وفق الشاعر في نظمها على أكثر من صعيد..
و دخول زحاف الخبن على تفعيلتيه
(مُسْتَفْعِلُنْ > مُتَفْعِلُنْ) و(فَاْعِلُنْ > فََعِلُنْ)من جوازاته و لا يعيبه!
((أنَّى اتَّـجَهْـتُ أرى عينـيـكَ في أفُقي
فـأهـْتـدي بـهمـا نُـورًا على طُـرُقـي))
و صولا إلى البيت الأخير :
((إنِّي نقشْتُكَ فوقَ الشَّمْسِ مَلحَمَـةً
فلا يَـرُعْكَ نـزيـفُ القلبِ في الشَّفَقِ))
ما بين كناية و استعارة ،و تصريع و طباق...فجمع الشاعر ببراعة روعة الابتداء و جمال الانتهاء!
و لا يخفى ما بينهما من صور بيانية متصاعدة الجمال بلغت ذروتها في قول الشاعر
((فـأحْـضـنُ الـشِّعْــرَ مُـلتـاعـًا أقَـبِّـلُـهُ
يُفيقُ من سَكْـرَتـي صَـبَّــًا ولم أفُـقِ))
و قدرة الشاعر واضحة على المزج بين الصور البيانية التي تداخلت فيما بينها فزادت المعنى عمقا والمبنى جمالا و نقلت لنا تزاحم أحاسيس الشاعر و رسمت لنا صدق عواطفه.
وهـلْ يُـحـلِّقُ طـيْـرٌ فـي سما الـقَـلَقِ)
هذا و غيره كثير من قطوف دانية و ثمار يانعة جاد بها علينا الشاعر المبدع في قصيدته الجميلة و هذا جهد المقل و اعتذر على ما ورد فيه من خطأ أو سهو.
ثم جاءت قراءة الناقد العراقي الأستاذ حارث الأزدي
وكما يلي..
قراءة نص الشاعر عماد أحمد الكبيسي
قرأت القصيدة وتأملت فيها وكان أول ما طرق ذهني وجذب انتباهي هي تلك القافية التي تطرق المعنى طرقا فتجعل له جرسا موسيقيا يناغم أفقا ... لقد أحسن الشاعر فعلا بانتقائه المفردات بعناية الخبير المتمكن مع أنه يجيد اللعب بالكلمات فمرة يحاصرك بالمعنى المتصور وهو بالحقيقة يحاصر نفسه ليحقق الخصوصية والحصر في منطلقاته النورانية فيفاجئنا بالحصار من كل الجهات ثم ما يلبث يعقب هذه الصدمة بالانفتاح وأن هاتين العينين المحاصرتين صارتا منبع النور الذي يهتدي به إلى طرقه...
جميلة جدا انعطافاته وتوافقاته فهو الذي يستودع قلبه لدى بغداد ولا ينسى الإعلان عن اعتناقه شموخ الحرف في إشارة لكعب بغداد العالي في العلوم والعرفة ومنها الأدب والشعر وليس هذا مقيدا بوقت بل إنه كذلك على مدى الأزمان.
وهكذا تمضي القصيدة في تناغم رائع بين المبنى والمعنى بإشارات أعطت للقصيدة آفاقا واسعة على مديات الزمان الممتد منذ بناء بغداد وحتى يومنا هذا... معاني القصيدة تجبر القارئ المتأمل أن تترقرق عيناه وتجد الدموع على خده طرقا.
النَفَس في القصيدة تصاعدي متدرج يأخذ بيد القارئ رويدا رويدا حتى يصل به الى الغاية المثلى التي يريدها الشاعر من هذا النص الرائع الجميل وهي الامتزاج والتماهي حتى ليصعب التفريق بين الحبيب ومحبوبه ...
شكرا لشاعرنا الأستاذ عماد أحمد الكبيسي على هذا النص المنتمي لبغداد قلبا وقالبا..
حارث الأزدي
.
متمنين للأخوة المتابعين والأعضاء سهرة ممتعة مع الشعر والنقد والإبداع
ادارة الصالون الادبي النقدي



Comments
Post a Comment