الصالون الادبي - النافذة النقدية لنصوص المبدعين (2)
Moderator
النافذة النقدية لنصوص المبدعين (٢)
بسم الله الرحمن الرحيم
بداية يطيب لي أن أبين للأخوة المتابعين بأننا كصالون أدبي ونقدي نقبل ومن خلال لجنة مختصة المنشورات شعرا ونثرا، والتي نجد فيها معنى وموضوعية ولمسة إبداع شرط أن تكون خالية من الأخطاء الإملائية والنحوية بالنسبة للنثر إضافة إلى العروضية بالنسبة للشعر العمودي ثم تتابع من قبل لجنة نقدية أخرى لعرض قسم منها للنقد، والنقد كما قال الأستاذ الناقد الكبير ومؤسس الصالون القدير ادهم الشبيب في منشور الافتتاح النقد( لايكون الا ميزانا عدلا فإن أصابه بعض الشطط من تحيز مع او ضد، حب او بغض، سقط دوره وضاع سلطانه) ومن هنا ولكي نبقي على رصانة الصالون وهيبته التزمنا كادارة بهذا النهج والزمنا الأخوة النقاد بمراعاة الأمانة الأدبية والميزان العدل في قراءاتهم ودراسااتهم النقدية. وفقنا الله وإياكم لهذا الهدف النبيل وسدد خطانا...
النصوص التي تم اختيارها من قبل لجاننا النقدية لهذه الجلسة وكما فعلنا في الجلسة السابقة هي ثلاثة نصوص تناولها نقادنا المرفقة أسماؤهم وقراءاتهم النقدية وكما يلي..
النص الأول للشاعر العراقي ضياء محمود المجيد وقد تناوله الناقد الجزائري الأستاذ جمال سرير عبد الله وكما يلي..
مَلَكَ الخُطى
مَلَكَ الخُطى واستَعذَبَتهُ رؤوسُ
وَ سَعَت عُيونُ الارضِ حيثُ يَدوسُ
و تناثَرَت خجلى رياضٌ ثَرَةٌ
وأتَت عليهِ معاولٌ و فؤوسُ
أرضي عيونٌ للندى و كواعبٌ
حرّى تُدارُ بثغرِهِنَ كُؤوسُ
مَلَكَت رُباها واكتَفَت بجمالها
حيثُ ( العريسُ) مَشَت اليهِ عُروسُ
نادَت عَليَّ فما رَدَدتُ لأنني
لي في الحياةِ مَآثِرٌ و دروسُ
انتِ الاديمُ تناثرتْ في لَحنهِ
حُلُمُ الغُزاةِ أعاربٌ و مجوسُ
شوقي لليلي ترتديهِ عَوانِسٌ
و يَحُجُ فيهِ أفارِقٌ و الروسُ
كم رافِدٍ أَفَلَ الثرى برمالهِ
و تَثاءَبَ النحريرُ والقٌدوسُ
هيَ قَطرةٌ فوقَ الجباهِ وأسْقَطَتْ
تاجُ الرئيسِ يدوسُهُ المَرؤوسُ
يَستَعذِبونَ الذُلَ حيث تَرَبَعَت
زُمَرُ الحُفاةِ و ذيلها المحروسُ
ذاقوا الهوانَ بذلةِ ويقودهم
مِسخٌ تداعى خلفهُ إبليسُ
قصيدة رائقة من بحر الكامل،تميزت بجمال الأبيات و قوة القافية. ابدع الشاعر فيها..فجمع حسن الصناعة و جودة السباكة و جمال المعنى..
بإمكان أي متذوق ملاحظة انتقاء الشاعر لمفرداته بعناية فائقة حيث عبرت بصدق عما يريد تبليغه إلى درجة تبدو معها الكلمات في سباق لبلوغ المرام و تحقيق الهدف.
و كما برع الشاعر في اللغة برع في البيان..إذ رسم لنا لوحات بيانية فائقة الجمال..ابتدأها من البيت الأول الغني بيانيا(ملك الخطى،سعت عيون الأرض) و بديعيا (رؤوس،يدوس) جلبا لانتباه القارئ أو السامع و إحضارا لذهنه..فمن قرأ أو سمع:
( مَلَكَ الخُطى واستَعذَبَتهُ رؤوسُ
وَ سَعَت عُيونُ الارضِ حيثُ يَدوسُ) ليس من السهل علىه أن ينصرف قبل أن يكتشف كنه هذه الإشارات و فحوى هذه الرموز و يدرك المعنى المراد منها.
و الشاعر و إن كان خصب الخيال في قصيدته بما وظف من فنون البيان (الاستعارة المكنية/ذاقوا الهوان، و الكناية/يستعذبون الذل،و التشبيه البليغ/هي قطرة... و غيرها) إلا أنه مع ذلك يرسم واقع الحال بأفصح لسان فلا تشخيص أدق و لا وصف أعمق لهذا الواقع من قول شاعرنا:
(يَستَعذِبونَ الذُلَ حيث تَرَبَعَت
زُمَرُ الحُفاةِ و ذيلها المحروسُ
ذاقوا الهوانَ بذلةِ ويقودهم
مِسخٌ تداعى خلفهُ إبليسُ)!
و الملاحظ أن رقة أحاسيس شاعرنا المتيم بوطنه المتجلىة بوضوح في عباراته:
(أرضي عيونٌ للندى و كواعبٌ
حرّى تُدارُ بثغرِهِنَ كُؤوسُ
مَلَكَت رُباها واكتَفَت بجمالها
حيثُ ( العريسُ) مَشَت اليهِ عُروسُ)
لم تمنعه من أن يكون الفارس الباسل الذي يسدد سهامه على الأعداء:
(حُلُمُ الغُزاةِ أعاربٌ و مجوسُ)..
و ليس هذا بغريب و لا بعيد عن الشاعر العراقي الكبير ضياء محمود المجيد و الذي لا أبالغ إن قلت أنه شاعر العراق و العرب و فلسطين... فزياده على شعره حول وطنه العراق و ما أدراك ما العراق و ما يحمله من وطنية جلية لم ينس الامتداد العربي و الأصل الفلسطيني.. و قد قرأت له قصيدتين رائعتين عن القدس(دار البراق) و عن أقطارنا العربية(ابكي على الأرض) و هما منشورتين على صفحته لمن أراد التذوق و الاستمتاع.
أقول للشاعر المبدع سلمت قريحتك و دام إبداعك و مزيداً من العطاء و التألق.
..............................
النص الثاني للشاعرة السورية أماني محمد (ام المعتصم) وقد تناول هذا النص الناقد العراقي الدكتور محمد عبدالكريم
وهذا نص الشاعرة السورية اماني محمد.. أم المعتصم
ألـمٌ عـلى القلبِ قـد أســــرى بـآهاتي
وبــــدّلَ الــحـزنُ أفــراحـي..بـأنّـاتـي
يا موطنَ الحبِّ خلتُ الشِّعرَ يُسعفني
ويـبـرئ الـجرحَ فـي عـمقِ الـمساماتِ
ويـمسحُ الـدَّمع عـن أجـفانِ بـاصرتي
حـتّى تُـجلّي طـريقَ الـصّبحِ دمـعاتي
يـا مـوطنَ الـحبِّ هذا الشِّعرُ يخذلُني
ويـسـتـطيبُ صـراخـاً مــن عـذابـاتي
انـاشـدُ الـحـرفَ مـن أمـداءِ مِـحبرتي
فـيُحجمُ الـحرفُ عن سدِّ احتياجاتي
يــا مـوطـناً ضـعتُ فـي أرجـائِهِ أسـفاً
غُـيِّـبتُ عـنـهُ وروحــي ظِــلُّ غـابـاتي
مــاذا أقــولُ لــهُ مــن وحـيِ قـافيتي
والـشِّـعـر يـعـجـزُ عــن بــثِّ الـمـعاناةِ
فـــي كـــلّ خــاطـرةٍ طــرَّزتُ أحـرفَـهُ
فـصار َ يـنزف فـي شـِـعري وفـي ذاتي
أمـــانــي مــحـمـد ...أم الـمـعـتـصم
حيث تناوله الناقد العراقي الدكتور
محمد عبدالكريم بهذه القراءة...
قصيدة ام المعتصم تكشف عن الم كبير تكابده وتحاول مداراته، ولكنها لا تستطيع فهو غالب وموطنه الحب كثير الجراح عميقها. والم الشعراء، كغيرهم من البشر، يزداد في الليل فتكثر آهاتهم وتطول لياليهم وتصبح نابغية. وهذا ما نراه في مطلع القصيدة، فألم القلب يسري بالآهات في الليل، وهذا يذكرني ببيت المتنبي حين يصف الحمى بأنها حيية لا تأتيه وتشتد عليه إلا في الليل حين يقول:
وزائرتي كأن بها حياء
فلا تزور الا في الظلام
لكن المتنبي لا يقول انه كان فرحا في النهار خاليا من الألم، الا ان الشاعرة جعلت نهارها فرحا غيره الليل والم القلب إلى حزن.
لكن الشاعرة من جهة أخرى لم تفلح في أن تجعل انينها متصلا في الليل حين جعلته أنات متقطعات، وكأنها تأخذ راحة بين أنة وأخرى.
والشعراء يلجأون إلى قول الشعر للتخفيف عن شدة ما يعانون من آلام عن طريق وصفها ووصف مشاعرهم تجاهها، وكذلك فعلت الشاعرة بقولها:
يا موطن الحب خلت الشعر يسعفني....، لكن الشعر، كما تعترف الشاعرة، لا يسعف ولا يبرئ جرحا وإنما يشرك الآخر في مشاعر الألم والاحساس بشدته. وحقيقة الأمر أن الاعتراف بشدة الألم، وفي الشعر بخاصة، يزيل بعض الهم ويخفف من الشعور بشدته، وان كان لا يبرئ جرحا. وتأمل الشاعرة، كما آمل المتنبي سابقا، في أن طلوع النهار ينهي شدة الألم، وأن يكون للشعر نفس أثر النهار، في قولها:
ويمسح الدمع عن أجفان باصرتي
حتى تجلى طريق الصبح دمعاتي
ولكن الشاعرة تعترف ثانية بأن الشعر يخذلها، بل يزيد من عذابها، ويطيب له فعل ذلك، وأنه عاجز عن بث معاناتها.
اقول: ان شعرها لم يعجز عن ذلك كما ظنت الشاعرة، لكن جراح المواطن كثيرة وكبيرة حتى أنها أكبر من الشعر، ولأنها كذلك يظن الشعراء أن الشعر يقصر عن وصفها.
اخيرا لدى ملاحظة لغوية حول لفظة أمداء، ما مفردها وما دلالتها؟ أن كانت جمع مدى فهو غريب لأن جمع مدى مديات. أما أمداء فالقياس يجعلها جمع مدي بالياء المنقوطه، ولا اعرف لها معنى.
القصيدة بسيطة الألفاظ والبحر، وجميلة التعبير عن المشاعر، وأتمنى للشاعرة دوام الإنتاج والتوفيق.
أ. د. محمد عبد اللطيف عبد الكريم
................................................
النص الثالث والأخير للشاعرة نيران الشبيب وقد تناوله
الناقد الأستاذ سعد الشامي وتحت عنوان
(مزامير داوود)
أعللُ فيك جنـونَ اشتياقي
ونارَ الفراق وجرمَ القدر
تعالَ إليّ وفكَّ الوثاق
فلونُ مسائي شـــديدُ الشرر
إليكَ الســماءُ تشدُّ الرحال
ويغدو إليكَ عــبيقُ المطر
يُلملِمُ صوتي بقايا الهوى
ونحوكَ يُزجي لحونَ الوتر
أكذّبُ نفسي بطولِ اصطبار
وتقصمُ ظهري رياحُ الضجر
فسهبُ الحـــياة يثيرُ الركام
ويُلهبُ قلباً هوى في سقر
رسمتُ الطيوفَ بجُنْح الغياب
وشمساً تُداري مسارَ القمر
وشعراً عظيماً لذاك القَصيد
يزاورُ ليلي بعين السهر
أنا في يديكَ جـــليلٌ مُهاب
فَحــــتّام يحيا صريعُ القهر
نيران الشبيب
وهذه قراءة الناقد الأستاذ سعد الشامي للنص وكما يلي..
تحيه طيبه لجهد الشاعرة فهي قد جعلتنا نلفظ ونستمتع بكلمات ربما بالنسبة لي على الاقل اول مرة تمر بي بنص ادبي
النص فيه مناجاة لشخص بعيد و ربما ما من لقاء بينهما ، بل رسمت له صورة من خيالها ثم ناجته و خاطبته كالمبتعد المفارق ، و قد جاءت مفردات النص حزينة قاسية
حتى الطبيعة فضلتها بيئة صحراوية و نائية.، وماطرة وذات
رياح و فيها ركام وشمس لاتغيب .
وفي نهاية النص ( صريع القهر)...
و قد عللت لنفسها جنون الاشتياق بأن الغائب يستحق بالرغم من انه متخيل وتعزو ذاك الى القدر الذي وضعها بهذه الحالة... مع تحفظي على كلمة (حرم)... ولو كانت (حكم) كان ادعى للتسليم للقضاء والقدر...
وتناديه ليفك وثاقها ولاادري من شد وثاقها..
(لون المساء شديد الشرر) وصف جميل لحال شديد الصعوبة ولكن لم تصلني الصورة كما تريد الشاعرة...
اليك السماء تشد الرحال
ويغدو اليك عبيق المطر
لو استبدلت السماء بالضياء كان ادعى للواقعية
ولوضوح الصورة ليتناغم مع المطر كظاهرة وليس ككون....
يكمم صوتي بقايا الهوى
ونحوي يزجي لحون الوتر
البيت فيه صورة جميلة ....
وشعرا عظيما لذاك القصيد
يراور ليلى بعين السهر.....
جميل ايضاً هذا البيت و فيه شاعرية و حتين يذكرنا بشعر قيس بن الملوح لليلى..
البيت الاخير فيه شيء من التناقض رغم عذوبته الواضحة فهي (مهابة) وهي (صريعة).... و ربما ارادت منه الشاعرة وصف الحيرة و اللوعة و الشعور بالشتات الذي يدفع الحيران الى وصف مشاعره المتناقضة المتضاربة ،
تحايا لجهد الشاعرة ونصها لأنه استثار حروفي لتكتب له نقدا وابذل له جهدا...
دمتم وازكى التحايا... وسلام اعتذار... عن كل زلة او عبارة لم احسن لها الاختيار .
وفي الختام نشكر متابعتكم، متمنين لكم سهرة ممتعة مع الشعر والنقد الهادف الرصين وإلى جلسات قادمة ...
عماد اليونس
ادارة الصالون الادبي النقدي




Comments
Post a Comment