الصالون الادبي النقدي -النافذة النقدية لنصوص المبدعين (4)
Moderator
النافذة النقدية لنصوص المبدعين ( ٤ )
العلاقة بين الأدب والنقد تكاملية، فالأدب بحاجة للنقد والنقد بحاجة للأدب، ولا يمكن أن يُثمر أحدهما بمعزل عن الآخر...
صحيح أن الأدب يسبق النقد، فلولا وجود الأدب لما وُجد النقد الأدبي...الأدب هو النشاط الابداعي الخلاق والنقد هو تذوق ذلك الإبداع.
و النقد الأدبي - في مفهومه العام - هو مقاربة النصوص، والبحث عن جمالياتها، بداية من دراسة هذه النصوص و تحليلها و تفسيرها و تقويمها و وصولا إلى تقييمها و الحكم عليها.. تماما كما تفحص الدراهم لتمييز الأصيل الصحيح من الدخيل القبيح!
و قد اعتدنا في نافذتنا هذه على تناول مشاركات المبدعين بطلب منهم و دراستها دراسة نقدية بعد فرز النصوص المرشحة من أصحابها و انتقاء المناسب منها من طرف لجنة من الأساتذة و الشعراء و النقاد.
و خلافا للأعداد السابقة نقتصر في العدد الرابع من النافذة النقدية على نصّين فقط حتى لا نثقل على متابعينا في هذه الأمسية الرمضانية المباركة...فعلى بركة الله..
بعنوان:(أنــــــثــــــى مــــــــــــن الــــــمــــــاء)
لَــيْــلَانِ واتَّــحَــدَا يَـحـدُوهُـمَا الأَرَقُ...
شِـعـرِي وَشَـعرُكِ والـمِصباحُ والـوَرَقُ
قَــمْـحُ الـضَّـفَـائِرِ شَــلَّالٌ يُـحَـاصِرُنِي...
يُـغَـالِبُ الـمَوْجَ رَشْـفُ الـمَاءِ والـغَرَقُ
عَـيْـنَاكِ .. دَفْــقُ رَبِـيـعٍ هَــزَّ أزْمِـنَـتِي...
وجَـنَّـتَانِ جَـنَـاهَا الـرَّمْـشُ والـحَـدَقُ
مُــدْهَـامَّـتَـانِ إذا كَـفْـكَـفْـتُ ظِـلَّـهُـمَـا...
أنَـامِـلُ الـشَّـوقِ فــي كَـفَّـيّ تَـسْـتَبِقُ
خَـــدَّانِ وانْـطَـفَأَا لَـمَّـا هَـمَـى غَـسَـقٌ...
فـي طَفْرَةِ البَوحِ يَصحُو فِيهِمَا الألقُ
هَـلَّتْ منَ الغَيبِ تَسْرِي وَهْيَ مُشْرِقَةٌ...
تَــلُـمُّـنِـي وَطَـــنَــاً أسْـــــوَارُهُ مِــــزَقُ
أُنْثَى منَ المَاءِ تَجْري في عُبَابِ دَمي...
مــن عَـبقَرِ الـشِّعرِ فـي عَـينيَّ تَـنْبَثِقُ
أُنْـثَـى مِــنَ الـمَـاءِ أَنّــى زَمَّـنِـي ظَـمَأٌ...
سَــحَّـتْ فُــرَاتَـاً عـلـى كَـفَّـيّ تَـنْـزَلِقُ
تُـزَمْـزِمُ الـشِّـعرَ نُــوَّارَاً عـلـى شَـفَـتِي...
فَـيَـسْجُدُ الـحَـرفُ لَـمَّا يُـشْرِقُ الـفَلَقُ
تَـنَـفَّسَ الــوَردُ فِـيـهَا كُـلَّـمَا ابْـتَسَمَتْ...
يُــسَـبِّـحُ اللهَ فــــي آيَــاتِـهَـا الــعَـبَـقُ
تَـبْـكِي وتَـضْـحَكُ غَـيـمَاً هَــلَّ بَـارِقُـهُ...
بَــرقَـاً يُـبَـسْمِلُ فــي أهْـدَابِـهِ الـغَـسَقُ
سِـتُّـونَ عَـامَـاً ومــا زَالــتْ تُـرَاوِدُني...
وَغَـلَّـقَتْ خِـدرَهَـا الأشـواقُ والـطُّرُقُ
أَعْـتَـدْتُ مُـتَّـكَأً فــي صَــرحِ أورِدَتِـي...
فَـسَـالَ مــن كَـفِّـهَا الـتُّـفّاحُ والـحَـبَقُ
أَوقَـــدتُ كُـــلَّ تَـبَـارِيحي تُـسَـامِرُنِي...
شَـمْعَاً عـلى دَمـعِهِ الأوجاعُ تَصطَفِقُ
أَيْـقَظْتُ أنْـدَلُسَاً فـي وَجْهِهَا فَصَحَتْ...
شَمْسُ العُصُورِ وَمَاجَ الشَّهْدُ والشَّفَقُ
خُـيُـولُ عُـقْـبَةَ تَـجْـرِي فــي تَـرَائِـبِهَا...
وَسَـيـفُ طَــارِقَ فـي الـخَدَّينِ يَـأْتَلِقُ
تَـفُوحُ شَـامَاً وَصُـبْحُ الـيَاسَمِينِ هوىً...
بَــــوحُ الــمــآذِنِ بِـالـتَّـذْكَارِ يَـخْـتَـنِقُ
تَـمِـيسُ بَـغْـدَادُ فِـيـهَا كُـلَّـمَا خَـطَـرَتْ...
نَــخْــلَاً بِـعُـرْجُـونِهِ الأقْــمَـارُ تَـتَّـسِـقُ
قَـبَـسْتُ مِــنْ نِـيلِهَا ضَـوءَاً يُـؤانِسُنِي...
فَــجـاءَ يَـسْـكُـنُني مِـــنْ لَـيْـلِهَا الأَرَقُ
أَرسـلـتُ هُـدْهُـدَ أحـلامِـي إلــى سَـبَأٍ...
فَــعَــادَ مُـرْتَـجِـفَـاً يَـجْـتَـاحُهُ الـقَـلَـقُ
فَـعَـرشُ بِـلقِيسَ مَـرصُودٌ بِـذِي يَـزَنٍ...
وَسَــــدُّ مَــــأرِبَ بِــالأَعـرابِ يَـنْـفَـلِقُ
طَـفِـقْتُ أَخْـصِـفُ مــن جَـنَّاتِهَا وَرَقَـاً...
فَـغَـابَـةُ الـعُـمْـرِ بِــالأَوطَـانِ تَـحـتَـرِقُ
كما يلي:
هذه قصيدة جيدة السبك متينة الحبك من مطلعها إلى نهايتها بصرف النظر عمّا سنقوله لاحقاً، نظمت على البحر البسيط المخبون العروض والضرب، وعلى هذا البحر معظم الشعر العربي قديمه وحديثه، وهي قصيدة مصرعة المطلع ورويّها القاف، وهي قافية موجهة، والتوجيه في العروض هو ما وجّه الشاعر عليه قافيته من الفتح أو الضم أو الكسر، ويكون مع الروى المطلق أو المقيد إذا لم يكن في القافية ردف ولا تأسيس. ومجراها الكسرة، والمجرى هو ما اختاره الشاعر من حركة لحرف لروي، سواء أكانت الحركة كسرة أم ضمة أم فتحة. وهذا النوع من القوافي يسمى ( مجردة موصولة بمد) أي مجردة من الردف والتأسيس وموصولة بحركة ظاهرة ينتج عن مدها ظهور صوت يحاكي الحرف الذي تنتمي إليه الحركة.
وأقل ما يقال في مطلع القصيدة أنه فخم وهو من أنواع ردِّ الأعجاز على الصدور وذلك قوله: لَــيْــلَانِ واتَّــحَــدَا يَـحـدُوهُـمَا الأَرَقُ... شِـعـرِي وَشَـعرُكِ والـمِصباحُ والـوَرَقُ
فلا يتضح قصد الشاعر ومعنى البيت ما لم نرد عجز البيت على صدره، فقوله: ليلان اشتركا في صفة واحدة أو أنه جعلهما من (العيس) الإبل وهذا الأرق هو الحادي لهذه العيس لا يدعهما يهجعان، ثم تتجلى صورة الليلين في عجز البيت بنوعين من أنواع البلاغة من قسم البديع هما المقابلة والجناس، المقابلة بين ( الشّعْر بكسر الشين، والشَّعر بفتح الشين) ثم الجناس التام بينهما مع اختلاف ما لحقهما من التعريف بالضمير بين المتكلم (شِعري) والمخاطب (شَعرك) إلا أن الذي خدش تمام المعنى قوله الورق فهو ناصع البياض، ولذا لا يتناسب مع لون شَعرها، وإن تناسب المصباح مع الشعر لأن الشعر منارة وضاءة، فلو قال : والمصباح والغسق لكانت المقابلة تامة بين الشِعر( بكسر الشين) والمصباح وبين الشَعر( بفتح الشين) والغسق.
أعود وأقول إن سياق تدفق القصيدة ساحر بانسيابه من أولها إلى آخرها كإيقاع موسيقى حنون لا تدع القارئ ينفلت منها حتى يتمها لما يشعر من عاطفة تشده إلى القصيدة، غير أن المدقق المتتبع للصناعة الشعرية يقف على مواطن ضعف في اختيار الألوان أو تنسيق اللوحات الشعرية بألوان تناسب المقال بما يربط اللواحق بالسوابق، ففي البيت الثاني مباشرة:
قَــمْـحُ الـضَّـفَـائِرِ شَــلَّالٌ يُـحَـاصِرُنِي... يُـغَـالِبُ الـمَوْجَ رَشْـفُ الـمَاءِ والـغَرَقُ
انظر إلى (قمح الضفائر) وهنا ما قصدته في اختلاف الألوان، كيف تغير لون شعر تلك المرأة حيث كان في البيت السابق (ليلان شِعري وشَعرك) من الأسود الفاحم إلى شعر أشقر يحاكي لون السنابل، كان ممكن أن يُحل هذا الإشكال باستغنائك عن القمح وتقول: ( لون الضفائر أو سود الضفائر) فتحافظ على الصورة الأولى، وتكون الصورة الثانية متممة لها، ومن جانب يكون السواد أدعى لمغالبة الموج والغرق في الشطر الثاني.
والبيتان التاليان: عيناك... جنتان، ولكن (جناها) يعود على المفرد، بينما جناهما الرمش والحدق، وقد وقعت في البيت التالي بإشكال عروضي لإصرارك على الإتيان بالآية في سياق البيت (مدهامتان) فكسر وزن البيت بإيرادك أربعة أسباب خفيفة، فكان من الممكن ان تقول: دانٍ إلينا إذا كفكفت ظلهما، ويصبح أشد ارتباطاً بالمعنى وأكثر تعلقاً بالبيت السابق وأقرب اقتباسا من قوله تعالى( وجنى الجنتين دان).
وانتقل إلى أنثى الماء التي استغرقت معظم ما تبقى من هذا الصرح الشعري بحق:
أُنْثَى منَ المَاءِ تَجْري في عُبَابِ دَمي... مــن عَـبقَرِ الـشِّعرِ فـي عَـينيَّ تَـنْبَثِقُ
أُنْـثَـى مِــنَ الـمَـاءِ أَنّــى زَمَّـنِـي ظَـمَأٌ... سَــحَّـتْ فُــرَاتَـاً عـلـى كَـفَّـيّ تَـنْـزَلِقُ
وهنا أرى شاعرنا أوغل بعيداً في استحضار امريء القيس والأعشى وغيرهم ممن اغترفوا شعرهم من جن وادي عبقر الذين كانوا يلقنون الشعراء الجاهليين أشعارهم ويفتخرون بذلك حسب ما تروي لنا أسطورتنا الثقافية قال امرؤ القيس
كَأنّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تُشِذُّهُ ... صَلِيلُ زُيُوفٍ يُنْتَقَدْنَ بعَبقَرا
وقول محمد بن هانيء الأندلسي
أنسوا بهجرانِ الأنيسِ كأنهمْ ... في عبقري البيدِ جِنَّةُ عبقرِ
حيث إن الجن من وادي عبقر لديهم فضل تلقين الشعر للشعراء الجاهلين بإلقاء الشعر على ألسنتهم وفي قرائحهم وهم يفتخرون بذلك، وقد حذا حذوهم شاعرنا وأراد أن يستميل جن وادي عبقر ليمنحوه ما منحوا الشعراء السالفين من حكمة الشعر وقريحته وإنشاده.
غير أن شاعرنا ربما لم يحالفه الحظ حين جعل من يلقي الشعر على لسانه هي أنثى ماء من وادي عبقر، بينما الشعراء طرقوا وادي عبقر كانوا يأخذون شعرهم عن الذكور من الجن والشياطين، فانظر إلى قول العشى الكبير ميمون بن قيس عندما أراد ان يثبت أنه فحل قال: إني وكلُّ شاعرٍ منَ البشرْ... شيطانهُ أنثى وشيطاني ذكر
بينما شاعرنا جعل شيطانه انثى، وهي ملازمة له وهو شديد التعلق بها، وهذه الأنثى أصبحت تجري منه مجرى الدم من العروق، وجعل دمه عبابا زاخراً، ثم سريعاً ما يتكشف جنس تلك الأنثى التي اقتحمت عليه ليله قادمة من مجاهيل الصحارى من وادي عبقر لتصبغ دمه شعرا ينبثق من عينيه، وهنا نلاحظ فخامة الألفاظ تأتي جزلة منصاعة في رسم صور بديعة، لاسيما أن لفظة عباب بحد ذاتها تفسر نفسها وترسم صورها بالتلاطم في ارتفاعٍ وتسامٍ، وهذا حال الموج في العباب، ثم الجناس الناقص بين عباب وعبقر وهو من أنواع البديع الحميدة في الشعر، وهذه الأنثى ملازمة للشاعر ترويه كلما ظَمِيء، ولكن ظمأه يكون إلى الشعر الذي زمَّه، وكأنه زمام يقوده لأن يقول الشعر وكلما تعطَّش إليه أسعفته هذه الأنثى الجاهلية العبقرية فتلقي على لسانه الشعر كأنه الماء الفرات، ولو أن الانزلاق لا يناسب الماء من وجه أبداً، وإن من صفات الماء الاصطفاق وليس الانزلاق، فكان أنجى لك لوقلت: على كفيَّ تصطفق.
إن كل بيت في هذه القصيدة يحتاج إلى وقفة تأمل وهي من عيون الشعر المعاصر الذي مرَّ عليَّ على الأقل، والوقوف على بعض الهفوات لا يقدح في علوٍ كعبها وإنما هو تقويم لما يجب أن يكون وهنا أقف على قول الشاعر:
أَعْـتَـدْتُ مُـتَّـكَأً فــي صَــرحِ أورِدَتِـي... فَـسَـالَ مــن كَـفِّـهَا الـتُّـفّاحُ والـحَـبَقُ
صدر البيت صارخ في الجمال بديع في التصوير قوي في المعني، لكنه فقد قيمته بسبب سيلان التفاح والحبق، إنما السيلان للسوائل، فلو اقتبست من قوله تعالى: { وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا} فتقول أنت: فاسّاقطت من كفها التفاح والحبق، لخرجت من قضية (سال التفاح) التي لا يمكن أن تقبلها الصورة الشعرية.
ثم يأتي بعد ذلك سرد رائع في صور متلاحقة تنم عن إلمام ثقافي تاريخي، لا تقل روعة عما تكلمنا عنه من محاسن في هذه العجالة، ثم يختم شاعرنا قصيدته بلوحة فنية رائعة مفعمة بالصور وقريبة إلى ذهني المتلقي لأنها تكاد تكون من الإرث الثقافي المتوارث على الألسنة، وحسن فعل الشاعر أو بالأحرى هدهد الشاعر، الذي لم يستطع أن يتفوق على هدهد سليمان عليه السلام، لأنه واجه عرش بلقيس مرصوداً بسيف بن ذي يزن، بينما فتح الله على هدهد سليمان ما لم يفتح لهدهد الشاعر، وهذا لعمري من موافقات النبوة العجيبة، فما ينبغي أن يتفوق شاعرنا على هدهد سليمان بعد أن قال: { قالَ ربَّ اغفرْ لي وهبْ لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ منْ بعدي إنكَ أنتَ الوهابُ} لذلك عاد هدهد الشاعر منكفئاً بالرصد المضروب على ملك بلقيس:
أَرسـلـتُ هُـدْهُـدَ أحـلامِـي إلــى سَـبَأٍ... فَــعَــادَ مُـرْتَـجِـفَـاً يَـجْـتَـاحُهُ الـقَـلَـقُ
فَـعَـرشُ بِـلقِيسَ مَـرصُودٌ بِـذِي يَـزَنٍ... وَسَــــدُّ مَــــأرِبَ بِــالأَعـرابِ يَـنْـفَـلِقُ
طَـفِـقْتُ أَخْـصِـفُ مــن جَـنَّاتِهَا وَرَقَـاً... فَـغَـابَـةُ الـعُـمْـرِ بِــالأَوطَـانِ تَـحـتَـرِقُ
د. وليد محمد رشيد
(رسول الحب)
هو خاتمٌ للمكرمات وأولُ
ورسول حب وهو حب مرسلُ
يارحمة رقراقة بعثت لنا
بمياه نهجك كل ذنب يغسلُ
عجبوا لحبك فاستفاق سؤالهم
ولم المحبة رهن شخصك تجعلُ
فتزاحمت فيك الأكف كتابة
هذا حبيب الله يامن تسأل
هذا الذي جبريل ينزل داره
وله ملائكة السماء تنزلوا
من غيره وطئ السماء برجله
كي لا تطا للظى جهنم أرجلُ
وله إله الكون صار مخاطبا
اصعد وغيرك يامحمد ينزلُ
كنا غداة الجهل نحمل موتنا
وبنا خطايا الكون كانت تحملُ
وذنوب آلاف السنين تهزنا
وضميرنا في كل يوم يقتلُ
كنا نسيّر في الظلام قوافلا
وعلى دروب الخوف كنا نرحلُ
حتى بعثت فكنت خير مخلص ٍ
نور على ظلم الطريق ومنزلُ
لملمت اشلاء الضياع بارضنا
وجعلت نار الشرك فينا تأفلُ
علمتنا أن العقيدة وردةٌ
إن لم تذق ماء المحبة تذبلُ
وتكاملت فيك الصفاة تشرفا
فجمالها من حسن وجهك ينهلُ
قد نلت بالخلق العظيم مكانة
واسما بقرآن الإله يرتلُ
وعدلت حتى سميت بك امةٌٌ ٌ
وبعدلها أمم البرية تعدلُ
لم ينشغل عنك الفؤاد للحظة
إن تدبر الدنيا فحبك مقبلُ
لايُسئلُ الولهُ المتيم عن هوىً
به ترتجى كل الأمور وتقبلُ
وأنا احبك ملء قلبي والحشا
فليستمع ذاك الذي يتقولُ
ولتعلم الدنيا بان محمدا
تاج على قمم الرؤوس مبجلُ
جاءت قصيدة شاعرنا المعنونة ب (رسول الحب) على بحر الكامل،وهو من البحور الصافية يتكون من تفعيلة متفاعلن تتكرر ثلاث مرات في الصدر وثلاث مرات في العجز، وهو بحر طيع سلس ، استهل الشاعر قصيدته المدحية إستهلالا موفقا مستعملا الطباق والجناس والتصريع إذ يقول:
هو خاتم للمكرمات وأول
ورسول حب وهو حب مرسل
فرسولنا الكريم ختم المكرمات وهو القائل عليه الصلاة والسلام: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق
ثم يواصل مدحه فيقول:
يارحمة رقراقة بعثت لنا
بمياه نهجك كل ذنب يغسل
وهو يذكر بقوله تعالى:(وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين)
بمياه نهجك كل ذنب يغسل
صورة بديعة إذ جعل الذنوب كالثوب وجعل نهج النبي القويم هو المياه التي تنقي الذنوب،
ثم يقول:
عجبوا لحبك فاستفاق سؤالهم
ولم المحبة رهن شخصك تجعل
أرى أن هذا البيت سابق لأوانه، لو أن الشاعر استفاض في التعبير عن حبه ثم يأتي هذا البيت فلا أرى له مصوغا، ثم إن شطره الثاني ولم المحبة رهن شخصك تجعل
نزع به إلى النثرية ولفظة تجعل ليست شاعرية وإنما جاءت لأجل القافية
وفي قوله:
فتزاحمت فيك الأكف كتابة
هذا حبيب الله يامن تسأل
هل الكتابة تكون بالأكف؟ والشطر الثاني لاأراه منسجما مع الشطر الأول كأنه مقحم عليه
وله إله الكون صار مخاطبا
اصعد وغيرك يامحمد ينزل
لابد أن شاعرنا فتن بالتضاد،
متى قال الله تعالى لرسوله اصعد وغيرك ينزل ، في صعود النبي صعود للبشرية وارتقاء، إلا أن فتنة التضاد أغرت الشاعر في هذا البيت
علمتنا أن العقيدة وردة
إن لم تذق ماء المحبة تذبل
هذا بيت بديع إذ جعل العقيدة وردة تسقى بماء المحبة كي لاتذبل
وتكاملت فيك الصفات تشرفا
فجمالها من حسن وجهك ينهل
لفظة الصفات تكتب بالتاء المفتوحة
قد نلت بالخلق العظيم مكانة
واسما بقرآن الإله يرتل
هذا يذكرنا بقوله تعالى:(وإنك لعلى خلق عظيم)
وهو بيت بديع يصور مكانة المصطفى
لم ينشغل عنك الفؤاد للحظة
إن تدبر الدنيا فحبك مقبل
إدبار الدنيا وإقبال حب رسولنا الكريم غاية مايتمناه المؤمن
قصيدة بديعة جدا صادقة جياشة المشاعر متأثرة بالقرآن الكريم.
في ختام هذا العدد الرابع من النافذة النقدية ندعو الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام و التلاوة و صالح الأعمال و أن يمن علينا بالمغفرة و الرحمة و الرضوان و العتق من النيران.
نشكر كثيرا الأستاذين الناقدين خاصة و إدارة الصالون الأدبي النقدي عامة و نتمنى للجميع أمسية رمضانية أدبية ممتعة...و إلى أن نلقاكم في الأسبوع المقبل مع مزيد من الإبداع و الفن و الذوق الرفيع شعرا و نقدا... لكم منا ألف تحية.




Comments
Post a Comment